استدراك
ساعتين مضت
المقالات
25 زيارة
القراء الأعزاء:
جاءنا من الأخ الكريم، المهندس ثائر سلامة (أبو مالك)، جزاه الله خيرا، ما يلي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فيما يتعلق بمقالي المنشور في الوعي الأعداد 474+475+476 بعنوان (إسقاط فكرة الاستدلال باختلاف المطالع على دخول الشهور القمرية، وإسقاط فكرة أن لكل أهل بلد رؤيتهم للهلال) ، فقد وصلني تعليق يفيد أن بعض ما ورد فيه فُهم منه الدعوة إلى اعتماد الحساب الفلكي في ردّ شهادة الشهود في مسألة رؤية الهلال. ويبدو أن طريقة التعبير في المقال لم تكن كافية في بيان مقصودي، فأحببت أن أوضح الأمر رفعًا للالتباس، واعتذارًا عمّا وقع من قصور في البيان.
إن مقصودي لم يكن البتة أن المسلم، بعد صدور حكم القاضي أو الجهة المخولة بالنظر في ثبوت الهلال، يحق له أن يردّ ذلك الحكم اعتمادًا على الحسابات الفلكية، أو أن يمتنع عن العمل به، أو أن يثير خلافًا وبلبلة في المجتمع بحجة مخالفة تلك الشهادة لبعض المعطيات الفلكية. فهذا ليس مرادي، ولم أرد أن يُفهم من كلامي بحال.
بل الذي أراه، وأؤكده، أن الصيام والفطر والأضحى من الشعائر العامة التي ينبغي أن يظهر فيها اجتماع المسلمين، لا تفرقهم وتنازعهم؛ ولذلك جاء في الحديث: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)، وهو يدل على اعتبار اجتماع المسلمين في هذه الشعائر، وأن أمرها مردّه إلى الجهة التي تتولى النظر فيها وإعلانها للأمة. فإذا صدر القرار ممن له صلاحية القضاء أو الولاية أو من الهيئة المكلفة بتحرّي الأهلة والتحقق من الشهادات، فلا ينبغي للمسلم أن يشذ عن ذلك بدعوى الحساب، ولا بغيره من الدعاوى التي تفضي إلى اضطراب الناس وتفرق كلمتهم.
ولم يكن المقصود من المقال أن ننتقل من فتنة اختلاف المسلمين بسبب الحدود السياسية القائمة، واختلاف البلدان في الصوم والفطر، إلى فتنة جديدة منشؤها اختلاف الناس في اعتماد الحسابات الفلكية أو عدم اعتمادها، أو اختلافهم في الجهة التي يأخذون منها في هذا الباب. فالمقصود هو دفع أسباب الفرقة، لا فتح باب جديد لها.
ومع إدراكي التام أن الحساب الفلكي لا يُعتمد شرعًا في إثبات الرؤية الموجبة للصوم أو الفطر، فإن ما يمكن أن يجري عند مناقشة الشهود إنما يكون في حدود الرؤية نفسها، لا في حدود المصطلحات والنظريات الفلكية. فيُسأل الشاهد -مثلًا- عن سلامة بصره، وعن الهيئة التي رأى عليها الجرم: هل رآه هلالًا أو دائرة أو على هيئة أخرى؟ وعن جهة القوس، ومتى رآه: قبل الغروب أم بعده؟ وهل رآه وحده أم رآه معه غيره؟ ونحو ذلك من الأسئلة المتعلقة بوصف المشاهدة نفسها، مما يعين القاضي أو الجهة المختصة على التثبت من الشهادة.
أما أن تُبنى مناقشة الشاهد على أسئلة فلكية محضة، مثل: هل كانت الرؤية قبل الاقتران أو بعده؟ وما مقدار الاستطالة؟ وما حدّ دانجون؟ ونحو ذلك من الاصطلاحات الفنية؛ فهذا ليس مما يُناط بعامة الشهود، ولا هو الأصل الذي علّقت عليه الشريعة ثبوت الصوم والفطر. فالأخذ بالشهادة أو ردّها إنما هو من عمل القاضي أو الجهة المخولة شرعًا بالنظر في ذلك، بحسب ما يظهر لها من التثبت والتحري.
والأدلة الشرعية في هذا الباب واضحة، ويكفي في ذلك قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، فالنبي ﷺ علّق الحكم على الرؤية، وجعل عند تعذرها بسبب الغيم أو نحوه إكمال العدة ثلاثين يومًا، مع أن وجود الهلال في نفسه وراء الغيم قد يكون معلومًا حسابًا، ومع ذلك لم يجعل الشارع هذا العلم الحسابي هو المعتمد في الحكم، بل علّق الحكم على الرؤية أو على إكمال العدة عند تعذرها.
وعليه، فإن كل ما ورد في المقال على وجه قد يُفهم منه اعتماد الحساب الفلكي في ردّ الشهادة، أو في جعل تحرّي الهلال أمرًا ثانويًا لا لزوم له، أو في تقديم الحساب على ما يثبت عند الجهة المختصة بالنظر في الأهلة، فإني أصرح بأن هذا الفهم غير مراد، وأن ما كان من العبارة موهمًا لذلك فهو ملغى، وأعتذر عنه اعتذارًا صريحًا.
وأكرر اعتذاري لهذا الخطأ في التعبير، وعن النقص في الشرح والبيان، وأسأل الله الرحمن الرحيم لي ولإخواني جميعًا أن يجعلنا وقّافين عند الحق، متجردين له، لا نخشى في الله لومة لائم، وأن يجمع المسلمين على كلمة سواء، وأن يوحد صفهم تحت راية الإسلام، راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله. والله سميع مجيب.
أبو مالك، ثائر سلامة .
1447-11-01