حلاوة الايمان؛ نبض القلب إلى قيادة الأمم
ساعتين مضت
المقالات
22 زيارة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار).أخرجه البخاري.
هذا الحديث العظيم أصل من أصول الإسلام. قال العلماء رحمهم الله: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله عز وجل، ورسولهﷺ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى، بفعل طاعته، وترك مخالفته، وكذلك محبة رسول الله ﷺ.
قال القاضي، رحمه الله، في معنى الحديث: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺرسولا، وذلك أنه لا يصح المحبة لله ورسوله ﷺوكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه. وهذا هو الذي وجد حلاوته. قال: والحب في الله من ثمرات حب الله.
قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فيحب ما أحب، ويكره ما كره. وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان، ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا، وقد يكون لإحسانه إليه، ودفعه المضارّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلها موجودة في النبي ﷺلما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم، والإبعاد من الجحيم. وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله تعالى، فإن الخير كله منه سبحانه وتعالى. وقال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام.
هذا من حيث معنى الحديث أما من حيث ربطه بواقع الأمة السياسي فحين يقول النبي ﷺ: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، فهو يتحدث عن عاطفةٍ ساكنة في زوايا المحاريب و يرافقها “انقلاب شعوري” يطيح بكل الأنداد.
هذا الحب هو “المركز” الذي تنجذب إليه كل الحواس؛ فلا هوى لزعيم، ولا قداسة لدستور وضعي، ولا انصياع لإملاءات الدولة الأولى عالمياً في ميزان السياسة المبدئية، هذا الحب هو “السيادة المطلقة للشرع”.
إنها اللحظة التي يرى فيها المؤمن أن “القوانين الدولية” و”المنظومات الرأسمالية” ليست سوى أصنامٍ حديثة تُعبد من دون الله.
حلاوة الإيمان هنا هي تلك الأنفة الروحية التي تجعل المرء يرفض الانحناء لغير الخالق، مؤمناً بأن مبدأ الإسلام ليس مجرد عبادات من صلاة وصيام وقيام ليل ودعاء، بل هو التزام حكم الله في الأرض؛ في الحكم والنظام الاقتصادي والاجتماعي وغيره من نواحي الحياة، فلا يُطاع في الأرض إلا مَن أمرَ اللهُ بطاعته، حيث يتجسد من خلال هذا الالتزام محبة المرء لله ورسوله.
وقوله ﷺ: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) هو المبتدأ والخبر في رعاية شؤون الأمة، فالمحبة في عرف مبدأ الاسلام هي الانقياد التام؛ وهي تقتضي كفرًا بواحًا بكل الأنظمة التي تُقصي شرع الله.
فمن ذاق حلاوة هذه المحبة لا يمكن أن يقبل بـ”سيادة الشعب” في الديمقراطية، ولا بـ”قداسة الدستور” الوضعي.
إنها دعوة لتحطيم “الأصنام السياسية” التي نصّبها المستعمر في بلادنا، وإعلان أن الولاء لا يكون إلا لمشروع الأمة الحضاري المتمثل في دولة الخلافة الراشدة الثانية، التي تجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
(وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله).. هذه هي القنبلة الموقوتة التي تهدد أركان “الدولة الوطنية” المسخ. إنها الرابطة التي تتجاوز حدود الجغرافيا والدم واللغة، لتصهر الأمة في بوتقة واحدة. حين تحب أخاك “لله”، فأنت ترفض أن تكون “جنسيتك” عائقاً أمام نصرته، وترفض أن تكون “المصلحة الوطنية” مبرراً لخذلانه.
هي حلاوة “الجسد الواحد” الذي إذا اشتكى منه عضوٌ في غزة أو الشام، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. إنها ثورة على “الوطنية الوثنية” التي فرقت الأمة إلى أشلاء، وإحياءٌ لروح الأمة التي لا تعترف إلا براية “لا إله إلا الله”.
هذا الحديث ينسج خيوطاً من النور تصل قلب المسلم في باكستان بقلب أخيه في السودان، متجاوزاً تلك “الحدود المصطنعة” التي رسمها المستعمر بدمائنا.
(وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار)، هذا هو الفصال الوجداني بين نور الإسلام وظلمات الأنظمة الوضعية. وهو إعلان “اللاعودة” إلى عصر الظلمات والتبعية، هو تصويرٌ بليغ لمن ذاق طعم “العزة بالإسلام” ثم يُراد له أن يعود إلى قمقم التبعية للغرب.
الكفر هنا ليس مجرد جحودٍ بالخالق، بل هو “النظام الطاغوتي” الذي يُقيد الشعوب بالديون والاتفاقات المذلة والديمقراطية الزائفة.
إن المؤمن الذي تشرّب فكر النهضة يرى في “الدولة المدنية” أو “العلمانية” ناراً تحرق هوية الأمة وتلتهم مستقبلها. لذا فإن ثباته على مبدئه ورفضه للمساومات السياسية، وعدم قبوله بـ”أنصاف الحلول”، هو فرارٌ من النار.
الحلاوة هنا هي “يقين الصادقين” بأن العيش في ضنك الصراع مع الباطل، أجمل وأزكى من الانغماس في “نعيمٍ مغشوش” تحت ظلال أنظمة الكفر.
فتحت وطأة الهجمة الاستعمارية الشرسة التي تقودها الرأسمالية العفنة، وفي وقتٍ تُسخر فيه المنظومات الدولية كل أدواتها لتدجين الأمة وإخضاعها لـ”شرعية” الغاب والقوانين الوضعية؛ يبرز حديث رسول الله ﷺقاعدةً فكرية صلبة لعملية التغيير الجذري.
إن “حلاوة الإيمان” ليست طقساً تعبدياً معزولاً عن واقع الصراع، بل هي “المحرك الثوري” الذي يحرر الإنسان من عبودية المنظومات الغربية ليعيده إلى سلطان الوحي، هذه المحبة هي التي تجعل دماء المسلمين في غزة والشام وكشمير وتركستان دماواحدا.
إنها الرابطة التي ترفض “الحدود المصطنعة” وتَعُدّها جريمة استعمارية.
حلاوة الإيمان هنا تكمن في رفض “الوطنية الضيقة” والعمل الدؤوب لجمع بلاد المسلمين تحت راية واحدة، راية العقاب، ليصبح المسلمون قوة دولية ضاربة يحسب لها الكافر المستعمر ألف حساب.
مَن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، لا يمكن أن يقبل بـ”الشرعية الدولية” التي منحت كيان يهود حقاً في أرض الإسراء.
إن “حلاوة الإيمان” تقتضي الكفر بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتمسك بـ”حكم الله” الذي يوجب تحرير كل شبر من فلسطين عبر تحريك الجيوش، لا عبر استجداء “المجتمع الدولي” الذي هو أصل الداء. إنها السيادة المطلقة للوحي فوق إملاءات البيت الأبيض.
إن “حلاوة الإيمان” تكمن في رابطة العقيدة التي تجعل الأمة جسداً واحداً. فالحب في الله يقتضي أن تتحطم حدود “سايكس بيكو” التي تحرس كيان يهود. إن نصرة غزة والقدس ليست “تضامناً إنسانياً” فحسب، بل هي فريضة عقدية توجب على أهل القوة والمنعة في بلاد المسلمين الإطاحة بالرويبضات الذين يمنعون الجيوش من الزحف لتطهير المسجد الأقصى.
إنها الأخوّة التي تلغي “التنسيق الأمني” مع المحتل الغاصب وتُحيي “الجهاد” لتحرير البلاد والعباد.
إن “حلاوة الإيمان” تفرض رابطة الأخوة الإيمانية فوق رتب العسكرية الوطنية. فالحب في الله يوجب على الجندي في الأردن ومصر وتركيا والسعودية أن يرى في مسلمي غزة والسودان وميانمار والشام “إخوة دم وعقيدة” تجب نصرتهم فوراً.
فالمؤمن في سلك الجندية يجب أن يكره البقاء في “منظومة الكفر الدولية” وتبعيتها كما يكره أن يلقى في النار.
إن الثبات على المبدأ هنا يعني التحرر من الهيمنة الغربية، ورفض أن تكون الجيوش “حارساً” للمصالح الاستعمارية وأداة قمع للشعوب تحت مسميات “مكافحة الإرهاب”.
إن حلاوة الإيمان تدفع أهل القوة لرفض هذا الهوان، والعمل على قلب الطاولة عبر تغيير جذري ينزع الشرعية عن الأنظمة العميلة ويضع القوة في يد “إمامٍ جُنة” يُقاتل من ورائه ويُتقى به.
فلسطين اليوم لا تنتظر قمةً عربية هزيلة، ولا قراراً دولياً مخادعاً، بل تنتظر أمةً ذاق أبناؤها “حلاوة الإيمان”؛ فاسترخصوا الدماء في سبيل الله، وتحرروا من عبودية “النظام الدولي” الرأسمالي.
إن الصراع اليوم هو بين “عقيدة التحرير” و”عقيدة الانبطاح”.
فليكن الايمان بالخلافة هو البوصلة، وحب المسلم لأخيه المسلم في الله هو الوقود، والكره لأنظمة الكفر هو المحرك.
وحين نتأمل واقع الأمة اليوم ندرك أن أزمتها ليست في نقص السلاح ولا في قلة الرجال، بل في “عقيدة قتالية” كبلتها الأنظمة المقيدة بأغلال التبعية للمستعمر. وهنا يأتي حديث “حلاوة الإيمان” ليكون ميثاق التغيير الجذري داخل الثكنات، والدافع لتحريك الفيالق نحو غايتها الكبرى.
لقد نجح المستعمر في جعل الجندي المسلم يرى في أخيه المسلم “عدواً” لمجرد أنه يلبس بزة عسكرية لدولة جارة، بينما يرى في “المناورات المشتركة” مع أمريكا وفرنسا ضرورة أمنية!
في العلوم العسكرية الوضعية، يُقدس الجندي “الأوامر” ولو كانت خيانة، ويدين بالولاء “للنظام” ولو كان طاغوتاً. ولكن العقيدة الاسلامية تقتضي أن يكون أمر الله ورسوله أحب إلى الضابط والجندي مما سواهما؛ أي فوق أوامر القائد الأعلى إذا خالف شرع الله، وفوق مصلحة النظام الذي يحرس حدود كيان يهود.
إن العقيدة العسكرية الحقّة هي التي تجعل الجندي يدرك أن طاعة “الرويبضة” في معصية الخالق هي عين الخسران، وأن الولاء الحقيقي هو لنصرة دين الله وإعلاء كلمته، وهو ما يتجسد اليوم في إعطاء النصرة لإقامة الخلافة التي تقود الجيوش نحو الملاحم لا نحو الاستعراضات.
فما بقاء الجيوش مرتهنةً للمعونات الأمريكية، والتدريبات الغربية، والاتفاقيات الأمنية المذلة،إلا “نارٌ” تحرق كرامة الجندي ودينه. أما “حلاوة الإيمان” في وعي حامل الدعوة فهي القوة التي تُحيل العجز اقتداراً، والشتات وحدةً.
هي ليست شعوراً ينتهي بانقضاء الصلاة، بل هي “منهج حياة” يرفض أن تكون أمة القرآن ذيلاً للقوى الرأسمالية أو مسرحاً لصراعات الأمم الملحدة. حين يذوق شباب الأمة هذه الحلاوة، ستغدو عروش الظلم أهون عندهم من بيت العنكبوت، وستتحطم صخور “الواقعية السياسية” المنهزمة تحت أقدام المبدئية الصلبة.
إنها حلاوةٌ تمهد الطريق لولادة “فجر الخلافة”، حيث يعود الإسلام قائداً للبشرية، ويتحول الإيمان من نبضٍ في الصدور إلى عدلٍ يملأ الأرض، وقوةٍ تكسر أغلال المستكبرين.
إن الأمة التي يتغلغل في سويداء قلبها صدقُ هذا الحديث، هي أمةٌ لا تُهزم. إن حلاوة الإيمان هي الزاد الذي يُعين “كتلة” المخلصين على مواجهة غطرسة الجبابرة.
فليكن إيمانكم وقوداً لعملكم السياسي، وليكن حبكم لله ولرسوله مناراً يهديكم في ظلمات التيه، وليكن كرهكم لأنظمة الكفر دافعاً لاستئصالها من جذورها.
ففجر الخلافة لا يبزغ بقرارات الأمم المتحدة، بل بقلوبٍ ذاقت حلاوة الإيمان فباعت نفسها لله، وعاهدته على إقامة دينه، وما ذلك على الله بعزيز.
1447-11-01