مقدمات أدلة إثبات وجود الله
ساعتين مضت
المقالات
22 زيارة
يوسف الساريسي – فلسطين
أمريكا تعمل على نشر الإلحاد في العالم الإسلامي:
أعرب مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR)، قبل بضع سنوات (07/2022) عن قلقه البالغ بشأن برنامج أمريكي لترويج الإلحاد في العالم الإسلامي، فوفقاً لمكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، ستستخدم الأموال لإنشاء وتقوية “شبكات من المدافعين عن المجتمعات المتنوعة من الملحدين والإنسانيين وغير الممارسين وغير المنتسبين من جميع الطوائف الدينية في البلدان المستهدفة”.[1] وحددت وزارة الخارجية موقع الأنشطة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى جنوب آسيا ووسطها.
فكان لا بد للمسلمين وحملة الدعوة بشكل خاص، من مجابهة حرب أمريكا وأتباعها على دين الله، بقذائف من الحق لصرع باطلهم، فكانت هذه المقالة.
مقدمة:
عندمناقشة المخالفين لنا فكريا، لا بد من وجود أرضية مشتركة للنقاش معهم، فنقاش رجل مسلم مؤمن غير نقاش رجل ملحد منكر للخالق، ومناقشة نصراني تختلف عن مناقشة ماركسي، وهكذا. فالأرضية المشتركة التي نقصدها هنا هي تلك الأمور التي يتفق عليها المتناقشان ياعتبارها مُسلَّمات يُقرّان بها مرجعيةً وأساسًا للنقاش، فتستخدم هذه المسلمات مقاييسَ للأمور التي سيبتنى عليها النقاش من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة أو أفكار مبتناة على هذه الأرضية.
فالمسلم صاحب المذهب المخالف يُسلِّم بالقرآن والسنة مرجعًا لأية قضية تُناقش، ولكنه قد يختلف معك في أدلة أصول الفقه المعتبرة، فيما الملحد ينكر كل ذلك وينكر وجود الله أصلا، أما النصراني فيقر بوجود الله ويقر بالنبوات والرسل ولكنه لا يؤمن بالقرآن ورسول الإسلام ﷺ. وهكذا، فمناقشة كل شخص لا بد أن تنطلق من مسلمات معينة يقر بها الطرفان المتناقشان، حتى يكون النقاش مثمرا ومنتجا من أجل الوصول إلى الحق والصواب.
المُسلَّمات اللازمة لنقاش الملاحدة:
من يريد مناقشة مسألة وجود الله بطريقة عقلية مع الملحدين أو المشككين، فعليه أن يقدم أسسا وأصولا تراعىويؤسَّس لها قبل الإقدام على المناقشة، فتكون الأدلة التي تقدم لإثبات وجود الله أدلة رصينة لا ثغرات فيها، وتكون ملزمة للخصوم.
وفي هذا المقالة سنتعرض لما يلزم من مُسلَّمات عندما نريد أن نناقش الملاحدة أو الجاحدين أو المشككين في وجود اللهوأن نقيم الحجة عليهم، إذ لا بد أن نبدأ معهم بمسلمات مشتركة بيننا وبينهم، وهذه المسلمات ليست هي الأدلة النقلية من القرآن والسنة، وليست هي علم أصول الفقه، بل هي شيء آخر مشترك بيننا وبينهم، ألا وهو العقل ومقاييسه الأساسية، وشروط التفكير وكيفية بناء الدليل العقلي.
وعندما نتدبر الأدلة التي نستدل بها في أصول الدين أو العقيدة على وجود الله وصفاته بالعقل، كدليل المحدودية ودليل الاحتياج ودليل العناية وغيرها، نجد أن هذه الأدلة تستند إلى مقاييس عقلية وأمور ضمنية موجودة في الأدلة ولكنها مستترة أو مسكوت عنها، ولا بد لنا من كشفها وتبيانها. فهي باعتبارها مُسلَّمات – سواء أكانت بديهيات أم أصليات – لا يختلف عليها عاقلان، أي إن الأرضية المشتركة للمتناقشين هي الأدلة العقلية ومقدماتها فحسب.
مقدمات الأدلة:
بما أن واقع العقل والأدلة العقلية وطريقة الاستدلال غير واضحة ولا مبلورة عند معظم الناس، وبالأخص عند الزائغين فكريا والملحدين والمشككين، كان لا بد -قبل البدء بنقاش الملحد أو المشكك في وجود الله- من أن نتفق معه على مجموعة من المقدمات العقلية قبل الدخول في أدلة إثبات وجود الله تعالى، إذ إنه قد يختلف معنا أثناء النقاش حول بعض القضايا التي نسلّم بقطعيتها وهو يعتبرها غير قاطعة أو قد لا يسلم بها. فعندما نقول إن الخالق يجب أن يكون غير مخلوق وإن هذا باطل عقلا، فنحن هنا اعتمدنا على مقدمة عقلية هي بطلان التناقض وتلازم الصفات، وهو قد يعترض على ذلك، لأنه يريد التهرب من الإلزام بايجاد ثغرة ينفذ منها، فمن الأفضل أن يُلزَم هذه المقدمات قبل النقاش.
لذلك أصبح من الضرورة أن نمهد للدليل العقلي المطلوب، من خلال الاتفاق على مسلمات محددة، وهي ماهية الدليل ومقدمات الأدلة. أما ماهية الدليل فنعني بها: ما هو الدليل المطلوب في الإثبات، بحيث يكون هذا الدليل قاطعا بلا شك، فليس المطلوب رؤية الخالق عيانا للإيمان كما طلب بنو إسرائيل من موسى: {يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} (153) سورة النساء. إن الاستدلال المطلوب يكون بالانطلاق من أمر معلوم للتوصل إلى العلم بأمر مجهول، لأن معنى الدليل هو ما يرشد إلى غيره. فالدليل يجب أن ينطلق من أمر معلوم، وهو الإحساس بالمحسوسات للتوصل إلى أمر غائب أو مجهول، ونقصد به هنا معرفة الله والايمان بالغيب، أي أن يكون المنطلق هو الاعتماد على الحس وليس على المقدمات المنطقية أو الشك الفلسفي، بل يُعتمَد الدليل العقلي وشروط التفكير.
أما الأمر الآخر، وهو المقدمات التي نستخدمها قضايا مسلمةً متفَقًا عليها مع الخصم، فهي أربع، وتشمل: البدهيات والأصليات والسببية وتلازم الصفات. وسنعمد إلى شرح سريع لهذه المقدمات حتى يتضح واقعها وتدرك أهميتها.
أولا) البَدَهيات:
البدهيات -وتسمى أيضا بالأوليات- هي مقاييس لصحة الأدلة العقلية المستخدمة. وما جعلها بدهيات هو أنها تستند إلى قوانين التفكير مباشرة، فهناك قانون في التفكير هو المطابقة، ومنه تنبثق بدهية بطلان التناقض، فوجب أن لا تكون الأدلة متناقضة، وكذلك يجب أن لا تكون البراهين متسلسلة بلا نهاية (بطلان التسلسل اللانهائي)، وأن لا تدور حول نفسها (بطلان الدور)، وبدهية بطلان الرجحان دون مرجح وأن لكل حدث فاعلا، أي مبدأ السببية. وبدهية الاستقرار وهي معكوس السببية، فهذه المجموعة من البدهيات هي التي نستند إليها أثناء تأليف الدليل العقلي، والتي يجب أن ينضبط بها ولا يخالفها، وإلا اعتُبر الدليل غير عقلي أو لا يتوافق مع العقل.
والبدهيات قضايا لا تحتاج إلى إثبات، بل يسلم بها العقل مباشرة بعد تصور معانيها، فهي بهذا المعنى مسلمات، والمطلوب فقط هو توضيحها وشرحها من خلال ضرب بعض الأمثلة حتى يُتّفَق على الاصطلاح الخاص بها وليس لإثباتها. فمثلا تُضرب بعض الأمثلة على بدهية بطلان التناقض، كاستحالة اجتماع الوجود والعدم في نفس الشيء، أو أن يكون الكائن حيا وميتا في نفس الوقت، أو يكون الجسم منيرا ومظلما في نفس الوقت. فهذه الأمور المتناقضة التي لا يمكن أن تجتمع معا هي من المحالات التي لا يتقبلها العقل، وإلا كان الصدق والكذب سيَّين، ولكان الحق والباطل صنوين، في حين أنهما ضدان لايجتمعان البتة. ومنه أيضا أن يكون الشيء موجودا في مكانين مختلفين في آن واحد، فأنت إذا كنت موجودا أمامي الآن في القدس فيستحيل أن تكون الآن موجودا في دمشق. ومنه أيضا القول بأن الشيء محدود وغير محدود أو أنه عاجز وقادر في نفس الوقت، وهكذا.
ومن تطبيقات بطلان التناقض في مجال الأفكار والعقائد، زعم النصارى بأن المسيح هو ابن الله وهو في نفس الوقت أزلي مع الله، وهذا يعدّ تناقضا لا يقبله العقل، لأن واقع الابن أنه مولود، أي وجد بعد وجود أبيه، أي أن الأب سبب في وجوده، فيكون في وقت معين غير موجود ثم وجد، وهذا يناقض فكرة الأزلية، لأن الأزلي هو الذي لا بداية لوجوده، ولم يوجده أحد قبله. فيرفض العقل هذه الدليل المتناقض، وبالتالي يعدالإيمان بهذه الفكرة غير مقبول ولا عقلاني.
وأما بدهية بطلان التسلسل، فمن الأمثلة المشهورة عليها أن يطلق جندي رصاصة من بندقيته على شخص أمامه، ولكن الجندي لا بد وأن يأخذ الأمر من ضابط مسؤول عنه، وهذا الضابط الأول يأخذ الأمر من ضابط أعلى منه رتبة، والضابط الأعلى يأخذ الأمر ممن هو أعلى منه، وهكذا يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. فهذا التسلسل لا يقبله العقل، لأنه ما دامت الرصاصة قد أطلقت بالفعل من الجندي وأصابت الشخص، فلا بد حتما من صدور الأمر من أحد الأشخاص في هذه السلسلة، أما الزعم بأنها سلسلة لا نهاية لها، فهذا باطل قطعا لا يقبله العقل، لأن معنى ذلك أن التسلسل ما زال بانتظار المالانهاية حتى يطلق الجندي الرصاصة، وهذا يعني أن الحدث لم يقع حتى الآن، أو أن هذه السلسلة غير موجودة ولا لازمة أصلا. وما دامت الرصاصة قد أطلقت فلا بد وأن الأمر قد صدر من أحد أشخاص السلسلة، أو أن الجندي القاتل تصرف من تلقاء نفسه، ولذلك كان التسلسل اللانهائي باطلا.
ومن تطبيقات بدهية بطلان التسلسلفي مجال الأفكار، القول بأن الذي خلق الكون هو خالق أول، وهذا الخالق الأول مخلوق لخالق ثانٍ، وأن الخالق الثاني مخلوق لخالق ثالث، وهكذا تمضي السلسلة بلا نهاية، وهذا محال وباطل عقلا، فإما أن تكون هذه السلسلة غير موجودة ابتداء وإما أنها غير لازمة أصلا. إذ ما دام الكون موجودا فوجب أن يكون له خالق موجد، ولا بد للتسلسل من نهاية قطعا، ومن زاوية ثانية وبالاستناد إلى بدهية بطلان التناقض، يستحيل أن يكون الشيء خالقا ومخلوقا معا، فإما أن يكون خالقا وإما مخلوقا، وبالجمع بين البدهيتين نصل إلى أن هذه السلسلة من الخالقين غير موجودة وغير لازمة قطعا، والموجود هو خالق واحد، وهو يجب أن يكون غير مخلوق.
ثانيا) الأصليات:
الأصليات هي قضايا ثابتة في ذات الأشياء أو في أحوالها ابتداء، فهي أمور ثابتة في طبيعة الأشياء وفي أحوالها وليس بالضرورة أن تكون في العقل ابتداء، وقاعدة استصحاب الأصل هي قاعدة معروفة في علم أصول الفقه.
والأصليات لا تحتاج إلى أدلة لإثباتها، وما يحتاج إلى اثبات ودليل وبرهان هو حالة الضد، أي خروجها من الحالة الأصلية إلى غيرها، فعند البحث والاستدلال على وجود الأشياء وصفاتها وحالاتها تكون مرجعيتنا هي هذه الأصليات، فتكون نسبة الأشياء إلى حالتها الأصلية ثابت لا جدال فيه، لأن التصور الواقعي -في العقل- للحالة المضادة لهذا الأصل مرفوض قطعا بلا شك، وبالتالي يكفي لإثبات الأصليات ضرب الأمثلة لتصور حالة الضد المرفوضة قطعا.
ومن قواعد الأصليات ما يلي:
-
الأصل هو عدم وجود الأشياء المادية المحسوسة، ووجودها بحاجة إلى إثبات قطعي.
-
الأصل في الأشياء أنها مستقرة لا تتغير، وهي تقاوم التغير بشكل طبيعي، وهذا هو مبدأ الاستقرار.
-
خروج الأشياء من حالة الاستقرار والقصور يكون باكتسابها طاقة سببية مؤثرة تعمل على تغيير حالاتها.
-
الأصل في حركة الأشياء الفوضى والعشوائية ولا تترتب أو تنتظم إلا جبرا عنها بالقوة، والقوة المنظمة هي التي توجد الأنظمة السببية بايجاد روابط وعلاقات بين الأجزاء التي يتألف منها النظام، ببذل طاقة سببية في الربط فيما بينها لايجاد ترتيب بنمط معين أو تنظيم الأجزاء بطريقة محددة لتؤدي وظيفة غائية.
-
الأصل في الأشياء الحالة الجمادية، أي انعدام الحياة، فالأحياء بحاجة إلى سبب لايجاد الحياة واستمرارها فيها، فالحياة حالة طارئة ومؤقتة موجودة في الأحياء، والابتداء أو الرجوع إلى الحالة الأصلية أي اللاحياة أو الموت حتمي فيها.
-
الأصل في عقل الإنسان هو حالة الجهل، والعلم شيء طارئ عليه وهو بحاجة إلى اكتسابٍ وتلقٍّ من الغير.
-
الأصل في دماغ الحيوان هو غياب العقل والتفكير وفقدان الذكاء والربط الواعي، وسلوكه ناتج من تمييز غريزي وخالٍ من المفاهيم.
-
الأصل في الإنسان براءة الذمة، والتهمة بالقيام بفعل معين (سلبي أو ايجابي) بحاجة لدليل.
والأصليات تشبه البدهيات العقلية، إلا أنها موجودة في طبيعة الأشياء وأحوالها وليست في العقل كالبدهيات. وأهمية الأصليات تكمن في أنها تلزم لسد ثغرات بعض الأدلة التي يحاول البعض النفاذ منها لابطال البراهين، فمثلا فكرة تعدد الأكوان هي ثغرة يحاول منها بعض الملحدين من الفلكيين إبطال حاجة الكون المُنظَّم تنظيما دقيقا إلى خالق منظِّم، فتُسَدّ هذه الثغرة من خلال قاعدة أن الأصل في الأشياء العدم ما لم يثبت وجودها قطعا، فعلى من يزعم وجود أكوان غير الكون الذي نحس به، أن يثبت وجودها بالدليل القاطع لأن هذا خلاف الأصل، وإذا لم يأت بالدليل فزعمه باطل والأكوان الأخرى المزعومة لا دليل علىوجودها.
ومثل ذلك القول بأن الأصل في العقل العلم وليس الجهل، ولو كان هذا الزعم صحيحا لكان كل إنسان يولد عالما وليس بحاجة للتعلم، وهذا تصور لا يقبله العقل بتاتا، وهو خلاف الواقع قطعا، وهكذا.
وباستخدام الأصليات يُرَدّ على نظرية التطور الداروينية من خلال قاعدة أن الأصل في حركة الأشياء هو الفوضى والعشوائية، ولا تترتب أو تنتظم إلا جبرا عنها. وهذا يؤكده قانون الأنتروبي أو القانون الثاني لعلم الديناميكا الحرارية، والذي ينص على أن الأنظمة تميل دائما لمزيد من العشوائية، وأن عملية الانتظام غير قابلة للانعكاس قطعا. ولذلك تعد نظرية التطور الدارويني وغيرها من نظريات التطور المزعومة كنظرية تطور التاريخ لماركس، مخالفة قطعا للأصليات ولقانون الأنتروبي، وبالتالي فالأصل هو عدم الانتظام الذاتي للأشياء، أي إن التطور المزعوم هو معكوس ومنكوس، ولو كان الأصل في الأشياء أنها تنتظم تلقائيا لما وجدنا أي أمر عشوائي في الكون. فوجود الأحداث العشوائية غير الغائية في بعض الأشياء فيما حولنا كتأثير العوامل الطبيعة ينقض كلامهم، ويثبت الأصل العشوائي للحركة.
ومن الأصليات قاعدة “البينة على من ادعى”، ومثاله لو ادعى شخص نسبة أولاد لرجل ما، ولكنه لم يأت بدليل يثبت ذلك، ففي حالة عدم الإثبات نرجع إلى حكم الأصل وهو العدم، أي أن الأصل هو عدم وجود أولاد ولا زوجات لأي رجل ابتداء، فبمجرد تصور حالة الضد وهي أن يكون لكل الرجال نساء وأولاد ابتداء ينافي الواقع والعقل، فالبينة إذن مطلوبة وتُطلب من المدعي، وبلا بينة أو دليل كافٍ تسقط الدعوى. ولكن هذا بعكس حالة الأبوة، فإن وجود الولد دليل على وجود أبوين له قطعا، لأن الولد موجود ولا بد لوجوده من سبب.
ثالثاً) السببية:
السببية تعد جزءا من البدهيات العقلية سالفة الذكر، ولكن هناك سببية من صنف ثانٍ وهي السببية الواقعية أو الطبيعية، وهذه السببية متوافقة مع السببية العقلية تماما، لأن الله تعالى خلق الكون على نظام السببية وخلق العقل وجعل فيه الربط السببي، فهناك توافق بينهما.
لكن يوجد للسببية الطبيعية تفاصيل وضوابط لا بد من تجليتها، حتى يكون الربط السببي بين السبب والنتيجة صحيحا ومنضبطا، فهناك السببية البسيطة، وهناك النظام السببي، وهناك السببية الإنسانية. وتفصيلها كالتالي:
تقاوم الأشياء أية عملية تغيير تحدث لحالة الاستقرار التي تكون فيها، والعامل المغير الذي يستطيع تغيير وضع هذه الأشياء وحالتها هو السبب، وذلك عند اكتسابه طاقة مؤثرة في لحظة معينة يستطيع بها نقل الأشياء التي فيها قابلية التأثر -أي لها خواص مناسبة- من حال إلى آخر، ويحتاج السبب ليكون فعالا إلى التعاون مع عوامل أخرى تساعده على التأثير وهي “الشروط”، ويعقب عملية التأثير السببي حدوث النتيجة (المسبَّب) حتما. فأساس التأثير السببي هو وجود الطاقة السببية وبنفادها ينتهي تأثير السبب، في حين أن هذا غير لازم للشرط.
يتكون النظام من مجموعة من الأجزاء وروابط تجمع الأجزاء معا بطريقة معينة مرتبة، وفق برمجة تؤدي هدفا أو تقوم بوظيفة محددة. والأشياء تميل للانفلات من النظام والتقييد وتميل للفوضى والعشوائية، وبالتالي فهي لا تتعاون فيما بينها للانتظام وتشكيل الروابط، لذلك فوجود النظام ابتداء بحاجة إلى سبب يجمع أجزاءه ويبرمجها ليؤدي الوظيفة التي أرادها له منظمه. فالبناء المشيد هو نظام والطاولة نظام وقناة المياه نظام وهكذا.
أما النظام السببي فهو يتميز من النظام العادي المستقر بحمله طاقة سببية مؤثرة، ويؤدي عملا محددا ويحدث تغييرا في غيره. ومن الأمثلة على ذلك الأنظمة الميكانيكية كالسيارة والثلاجة، وكذلك الأنظمة الحية كجسم الإنسان.
سألت سؤالا لأحد المشككين القريب من الإلحاد، لماذا أنت لا يمكنك أن تصدق بأن الطبيعة يمكن أن تنتج أو تطور طاولة أو سيارة؟ فلم يستطع الإجابة، ولكنه أقر معي بأن ذلك مستحيل عقلا، ولكنه لا يعرف الجواب، فأجبته بأن الأسباب أو العوامل الطبيعية التي تفعل فعلها في الطبيعة مثل الرياح والأمطار وأشعة الشمس وجاذبية الأرض وأمواج البحار والبراكين والزلازل والضغط والحرارة… الخ لا يمكن أن تُنتج نظاما، بل هي ذات تأثير عشوائي، وأنها تخرب الأنظمة الموجودة أصلا، وأن هناك في قوانين الثيرموديناميك قانون الأنتروبي الذي يحتم بأن كل الأنظمة تتجه نحو العشوائية وليس العكس، فلا يمكن أن تتفق مجموعة حجارة على تشكيل نظام رتيب وتترابط معا بشكل معين لأجل ذلك، بل العكس هو الصحيح، وهو أن الأنظمة تميل إلى الانفلات والتحرر من القيود والروابط. لذلك كان إثبات أن في الكون والإنسان والحياة أنظمة متقنة – خصوصا الأنظمة السببية- هو من أهم الأعمدة لإثبات وجود الصانع ووجود الغائية في الكون.
هناك فارق بين السببية الطبيعية وبين السببية المتعلقة بأفعال وسلوك الإنسان بسبب وجود الإرادة أو حرية الاختيار لدى الإنسان. والإنسان فيه ناحيتان وهما: الناحية الجسمية والناحية العقلية، أما الناحية الجسمية فهي ناحية مادية يشترك فيها مع الكائنات الحية الأخرى، فهي نظام سببي يتكون من مجموعة من الأعضاء ومجموعة من الأنظمة الحية كالجهاز الهضمي والجهاز العصبي … الخ. وأما الناحية العقلية المعنوية فالإنسان فيه خاصية التفكير، أي القدرة على ربط الواقع الخارجي المحسوس بالحواس مع المعلومات السابقة ثم الحكم على الشيء أي تفسيره وإعطائه معنى.
وأفعال الإنسان هي أسباب مؤثرة، وهي تتولد نتيجة امتزاج الطاقة الحيوية مع الطاقة الفكرية أي المفاهيم. فالسبب الإنساني حتى يتم بحاجة إلى الطاقة الشعورية (الحيوية)، وإلى الطاقة الفكرية (العقل).الذي يحوي المفاهيم التي تسيّر هذه الطاقة الحيوية. فالسبب الإنساني هو فعل يقوم به الإنسان للتأثير على شيء معين وتغييره من حال إلى آخر. وهذا الفعل يقرره العقل باختياره وإرادته بما لديه من مفاهيم حول مصلحته من القيام بهذا الفعل أو الإحجام عنه.
رابعاً) تلازم الصفات:
توجد علاقات تلازمية كثيرة بين الأشياء، وما يهمنا هنا هو تلازم الصفات للأشياء، وهذا التلازم هو من الأمور التي يلزم تأسيسها قبل الإتيان بالأدلة، وبالتالي فهي لازمة للاستدلال، لأن التوصل إلى بعض الصفات التي يثبتها العقل للخالق هي صفات مستنتجة من صفات أُخَر للأشياء المدركة، وأن هذه الصفات للأشياء مأخوذة من صفات أخر محسوسة للأشياء، ونريد إثبات أن أصل صفات الخالق العقلية يعود إلى أضداد صفات المخلوقات.
والمقصود بتلازم الصفات للأشياء أن هناك صفات متعددة للأشياء، بعضها محسوس مباشرة وبعضها الآخر مستور أو مجهول، ومعنى تلازم الصفات أنه يمكننا استنتاج صفة مجهولة لشيء معين من صفة أخرى أو صفتين معلومتين عنه، بشرط أن تكونا مترابطتين أو متلازمتين، والتلازم يثبت من خلال الاقتران أو الارتباط الواقعي المقطوع به بينهما. وهذه العلاقة التلازمية القاطعة تثبت بين أمرين بواسطة الاستقراء التام أو الاقتران وكذلك يثبت بواسطة التلازم السببي أو الشرطي، أو بواسطة الاشتراك في وصف معين يجمع بينهما، أو التعاقب والتسلسل، وغيرها.
فالاستقراء يدل على التلازم الدائم بين أمرين، فيتكون من هذا الاقتران الدائم رابطة دلالة بينهما، ويحصل باستخدام طريق الاستقراء إثبات صفات محددة للأشياء، لكن هذه الطريقة الاستقرائية فيها إشكال، لأنها تقوم على الاستقراء الناقص وليس التام، حيث إن الاستقراء التام يستلزم النظر والإحساس بجميع الأشياء التي نريد تعميم الحكم عليها فرداً فرداً، بهدف إثبات وجود تلازم لصفة معينة فيها، وهذا الاستقراء -بهذا الشكل- أمر محال عمليا. ولكن يُكتفَى بالاستقراء الناقص لتعميم الأحكام بالاستناد إلى ماهيات الأشياء -أي إلى صفة أو خاصية ثابتة ملازمة لجوهر الأشياء- فيحكم بتعميم هذه الصفة، فيُجبَر الاستقراء الناقص ليصبح تاما.
فمثلا لإثبات وجود قابلية الاحتراق في الخشب، لا يلزم أن نقوم بحرق كل خشب الدنيا لإثبات ذلك، بل يكفي عمل تجربة بحرق بعض الأخشاب ثم نقوم بالتعميم بالقول بأن كل الخشب يحترق، لأن القابلية للحرق هي خاصية موجودة في جوهره، وإذا لم يحترق فإنه يخرج عن كونه خشبا، فهذه الصفة هي من الصفات الجوهرية أو الخواص الكامنة الملازمة للخشب والتي لا تنفك عنه مطلقا، ولذلك يُجبَر الاستقراء الناقص للتجربة والمشاهدة الحسية بالاستناد إلى علاقة تلازمية ما بين الظاهرة المشاهَدة وصفة ملازمة لها في خواص الأشياء.
ولكن هذا النوع من الاستقراء لا يثبت للصفات الطارئة غير الدائمة، فمثلا إذا نشأ إنسان على جزيرة ما ورأى أن كل البط فيها ذو ريش أبيض، فهو سيعمم استقراءه المحدود بأن كل البط يكون لون ريشه أبيض. فإذا خرج خارج الجزيرة ووجد بطا ذا ريش أسود، فإنه سيعرف بأن حكمه الأسبق كان خطأ لأنه مبني على استقراء ناقص، وأنه بنى حكمه على صفة لون الريش للبط، وهي صفة طارئة وليست جوهرية أو ثابتة، وهي قابلة للتغير في الأشياء. وبالتالي فمن الأدق أن يقول إنه بحسب مشاهدته في الأمكنة التي تقصى فيها البط وجد أن لون الريش يكون أبيض، بشرط أن لا يعمم هذا الحكم بأن ينفي وجود بط ذي ألوان أخرى، لأنه لا يوجد ما يمنع من وجود ألوان أخرى.
أما التلازم السببي بين أمرين –بين الأثر والمؤثر- فإنه يوجد بواسطة العلاقة السببية التي تربط السبب مع النتيجة، ومثلها التلازم الشرطي ما بين الشرط والسبب لإحداث النتيجة، فإذا سمعت صوتا يتكلم في الظلام دل ذلك على وجود إنسان حي صدر منه الصوت، لأن الأثر دل بشكل قاطع على وجود الشيء المؤثر. وهناك تلازم سببي ما بين الدخان والنار لأن النار سبب في وجود الدخان وهو ناتج منها، وتلازم ما بين آثار الأقدام على الأرض والكائن الحي الذي مشى فوقها. أما التلازم الشرطي فمثاله الترابط ما بين النار والأكسجين لإحداث الحرق، فإذا فقد الأكسجين تعطل عمل السبب ولم يوجد الحرق ولا ينتج الدخان، لأن الأكسجين شرط أو عامل لازم للاحتراق.
أما التعاقب بين أمرين فمثاله تعاقب الليل بعد النهار، ووجود الأولاد بعد الوالد، ومن التلازم المتعاقب التسلسل مثل كون رقم ثلاثة يعقب الاثنين ورقم خمسة يأتي في التسلسل بعد الأربعة وهكذا.
-
تلازم الصفات المتعلقة بالوجود المستقل أو الوجود التابع:
يجب لفت النظر عند البحث في تلازم الصفات إلى وجود صفات خاصة لبعض الأشياء، وإلى وجود صفات عامة مشتركة تشمل جميع الأشياء، وعندما نريد التوصل إلى التعميم بالاستقراء لا بد أن نستخدم الصفات العامة للأشياء لا الخاصة، لأن الهدف هو البحث في الكون والأشياء، للتوصل إلى جواب عن سؤال مركزي حول الوجود المستقل للأشياء المحسوسة أو أن وجودها تابع لغيرها، لأن البحث الجوهري هو عن أصل الموجودات، والأصل يجب أن يكون وجوده مستقلا لا تابعا لغيره، وهو الذي يجب البحث عنه لتمييز الموجودات المستقلة من التابعة.
ولكن هذه الصفة أي الاستقلال الذاتي والتابعية في الأشياء، لا يمكن الإحساس بها مباشرة، ولذلك لا بد من التوصل إليها من خلال صفات أخر محسوسة تكون ملازمة لها، فاستقلالها في الوجود يوجب وجود صفات متلازمة مع هذا الاستقلال لا بد من وجودها في الأشياء، فنبحث عنها فإذا وجدناها حكمنا بوجود الصفة الملازمة لاستقلالية الوجود، وإذا وجدنا صفات الضد للاستقلال أي التابعية حكمنا بإثبات صفات التابعية.
وتلازم الصفات الذي نبحثه هنا، يكون بالبحث عن مجموعة من الصفات المتلازمة مع الاستقلال ومجموعة صفات أخر تتعلق بصفات الضد المتلازمة مع التابعية، فعند البحث عن صفات عامة للأشياء نجد أنها تشترك في وجود صفات تقترن ببعضها وتجتمع في كونها صفات لوجود تابع لغيره كالنقص والعجز، ومنها الجهل والضعف والقصور والاحتياج والمحدودية وهي كلها صفات مشتركة ملازمة للموجودات التابعة (المخلوقات). في حين أن أضداد هذه الصفات هي صفات للوجود المستقل بذاته ويتلازم مع الاستقلال الذاتي، وذلك مثل وجود صفات الكمال والأزلية والقدرة المطلقة والصمدية والعلم المحيط والإرادة المطلقة والربوبية وغيرها.
ويجدر الانتباه إلى وجود بعض من الصفات المشتركة بين الموجود المستقل والموجود التابع أو الكامل والناقص، مثل صفات الوجود والإرادة والحياة والعلم، مع الفارق فيما بين الكامل والناقص من حيث جوهر الصفة. فذات الله تعالى الكامل لا يقع الحس عليها فلا نستطيع الحكم على ماهية صفاتها الغيبية بالعقل، بل ندرك وجود الصفة ومعناها الاجمالي إما من العقل إذا كانت معقولة أو من إخبار الله لنا عن ذاته وصفاته بالأدلة القاطعة، ويجب علينا التسليم بالخبر الإلهي عن صفاته كما وردت، ولكن من غير قياس للخالق على البشر حتى لو اشتركت هذه الصفات في الاسم. والبشر يستطيعون فقط إدراك معنى هذه الصفات في المخلوقات المحسوسة لهم. فمثلا لدى البشر القدرة على التعلم ويوصفون بالعلم، والله تعالى عالم، ولكن حقيقة علمه وماهيته لا يعلمها البشر، فلا قياس بينهما.
-
أهمية إثبات تلازم صفات الاستقلالية والتابعية في الاستدلال على وجود الخالق:
عند البحث في الأشياء المدركة المحسوسة نبحث عن صفات عامة مشتركة فيها، بحيث تقترن هذه الصفات ببعضها البعض ولا تنفك، لاستنتاج التلازم وللحكم على وجودها بالاستقلال أو التابعية. فمثلا حين ننظر في الكون نجده مكونا من مجموعة أجرام، وكل جرم منها مركب من عدة عناصر وعدة أجزاء مترابطة ببعضها، وهذا يدل على وجود صفة التركيب ( مركب من أجزاء)، وهذا يدل على وجود نظام مصنوع، لأن الأصل في الأشياء هو العشوائية ولا تنتظم ذاتيا إلا بفعل غيرها، وإذا نظرنا في شيء مركب من مجموعة من الأجزاء المترابطة المرتبة ثم هو يؤدي عملا أو وظيفة معينة، حكمنا قطعا بأنه نظام مصنوع.
وكذلك عند النظر في الكون نجد أيضا بأن كل جرم من أجرام هذا الكون محدود، ووجود صفة المحدودية في الكون تتلازم وتقترن مع صفة أخرى هي العجز، والعاجز لا يستطيع إيجاد شيء ما من العدم ويعجز عن إيجاد نفسه من باب أولى فيكون محتاجا لمن يوجده، فيكون مخلوقا. فالعجز إذن صفة تقترن مع صفة المخلوقية، فنتوصل إلى أن من صفات الكون أنه مخلوق. وهذا يدل على عدم استقلال الكون في الوجود الذاتي، أي ثبت وجود صفة التابعية في الكون لغيره في وجوده.
فهنا نحن بحثنا ونظرنا في الأشياء، ووجدنا أن لها صفات مشتركة متلازمة مع وجودها وذلك كصفة الاحتياج وصفة المحدودية، ثم استنتجنا من وجود هذه الصفات صفات أخرى متلازمة معها كالعجز والوجود بعد العدم (المخلوقية)، ثم إنه يلزم من وجود هذه الصفات في الأشياء أنها غير مستقلة بوجودها أي أنها ليست ذاتية الوجود، أي أن الأصل فيها العدم -حسب الأصليات المذكورة أعلاه- (قاعدة الأصل في الأشياء العدم ما لم يثبت وجودها)، وبما أن وجودها ثابت بالحس والمشاهدة، وثبت أن وجودها هو وجود تابع لغيره وليس مستقلا. وبالتالي -وباستخدام مبدأ السببية- نتوصل إلى أنه لا بد لوجودها من فاعل هو السبب في إيجادها، أي أنها مخلوقة بعد عدم، وهي بحاجة إلى من يوجدها (يخلقها).
وهذا الفاعل هو خالقها من العدم. وهذا الخالق يجب أن يكون وجوده ذاتيا مستقلا، وليس تابعا في وجوده لغيره وإلا كان مخلوقا، وهذا تناقض باطل لا يصح. وهذه الصفة -أي الخالقية- هي صفة كمال يجب أن يتصف الخالق بها، ويُنفى عنه صفات الضد التي تتصف بها المخلوقات الناقصة. فنتوصل إلى أن هذا الموجود المستقل بذاته (واجب الوجود بذاته) يجب أن يكون خالقا أزليا قادرا مريدا عالما صمداً كاملاً مالكاً رباً واحداً، وأن يكون منزها عن كل صفات النقص التي في المخلوقات، فوجب أن يكون غير مخلوق ولا عاجز ولا محتاج ولا محدود، لأن اجتماع النقيضين في نفس الذات باطل حسب بدهيات العقل المذكورة سابقاً.
وهذه الصفات للخالق وإن كانت غير محسوسة بذاتها، لأن ذات الله وصفاته غير محسوسة مباشرة، ولكن العقل أدركها وأثبتها للخالق بالحس أي بالدليل العقلي المحسوس، من إدراكه لصفات النقص المتلازمة مع وجود المخلوقات المحسوسة، وإدراكه لوجوب وجود صفات الكمال الملازمة لوجود الخالق، ولذلك كانت هذه الصفات الواجبة لوجود الخالق هي صفات مدركة بالعقل ويثبتها العقل، وإن كانت ذات الخالق غير محسوسة للعقل مباشرة.
ويجدر بنا التدبر في مثال استخدمه القرآن الكريم، لإثبات أن سيدنا عيسى عليه السلام ليس إلها ولا ابن إله، قال الله تعالى في سورة المائدة: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }، فأكل سيدنا عيسى وأمه مريم للطعام يدل على وجود صفة الاحتياج، والاحتياج يدل على العجز، والعاجز لا يكون أزليا ويستحيل أن يكون رباً، فالله تعالى يبين للنصارى الآيات أي الدلائل على مخلوقية عيسى عليه السلام، ثم هم يؤفكون أي ينصرفون عن الأدلة ويقعون في الزيغ والضلال عن الحق. فلو أحسنوا التفكير وفق مسلمات العقول التي في رؤوسهم، لعلموا أن سيدنا عيسى هو من البشر، وبالتالي تنطبق عليه جميع خصائصهم وصفاتهم، فهو يأكل ويشرب وينام ويولد ويموت، وهذه كلها صفات للكائنات الحية التي تحتاج لغيرها في تصرفاتها وتدبير شؤونها، وهذا الاحتياج يدل على وجود صفة أخرى وهي العجز، وصفة العجر تقترن بصفة المخلوقية. وتتلازم معها صفات المخلوقات من نقص وعجز واحتياج وموت وحياة الخ، أي إن عيسى عبد مخلوق وليس بخالق ولا رب. ولا يجوز عقلا الجمع ما بين صفات الأزلية والربوبية مع صفات النقص والعجز في ذات واحدة، لأن هذا محال لأنه تناقض، والتناقض باطل.
خامساً) تطبيق مقدمات الأدلة على دليل المصنوعية ودليل المحدودية:
لنأخذ مثالا محسوسا يدلنا على وجوب وجود الخالق باستخدام دليل المحدودية، فعند مشاهدة طاولة من الخشب، فهي شيء يدل على وجود صانع لها، ونستنتج أنه يجب أن يكون نجارا خبيرا عالما بصنعته متقنا لها، وهو مريد وقادر وعنده غاية ومبصر ولديه أيد يصنع بها ويملك أدوات ومواد خاما، الخ من الصفات واللوازم. ولكن لا يمكن الادعاء من مشاهدة الطاولة بوجود صفات أخرى للصانع مثل أن لون جلده أبيض أو أن لون عينيه أزرق وأن اسمه أحمد وأنه يلبس قميصا أحمر وأنه يسكن في القدس … الخ، فهذه الادعاءات ليست عقلية وهي تخريص ورجم بالغيب، لأن الطاولة كمصنوع لا تدل بتاتاً على هذه الأمور لا من قريب ولا من بعيد، إلا إذا كان النجار الذي صنعها معروفا لنا بشكل شخصي، فعند ذلك يمكن ذكر هذه الصفات الخاصة به من معلومات سابقة عنه، أو أن نجد ختما خاصا به أو بطاقة تعريف تدل على الصانع، فيسأل عنه ثم يخبر النجار بنفسه عن نفسه.
والتفكر في الطاولة الخشبية دلنا على أنها مصنوعة، لأنها تتكون من أجزاء مرتبطة ببعضها وتؤدي وظيفة، فهي نظام غائي مستقر، وهذا يدل على وجوب وجود صانع لها، واستنتجنا من صفاتها المحسوسة كالإتقان والترتيب والإحكام في الصنعة والجمال وأداء الوظيفة بشكل فعّال، أن صانعها يجب أن يتصف بصفات لازمة من مشاهدة صنعته وهي الخبرة والعلم والإتقان والقدرة والملكية والإرادة وغيرها، وهي مجموعة من الصفات اللازمة للصانع حتى يستطيع أن ينتج المصنوع وهو الطاولة الخشبية.
وعند تطبيق هذا المثال للطاولة على الكون فإننا نلاحظ وجود النظام والقوانين التي تتحكم في سلوكه في كل شيء، وهذا التنظيم الموجود في الكون يجب أن يصدر من صانع له، وأن يتصف صانعه بصفات مثل العلم والإتقان والحكمة والقدرة والملكية والإرادة وغيرها من الصفات.
أما دليل المحدودية، فنحن نشاهد صفات معينة في الكون مثل المحدودية، ومعنى المحدودية هو أننا عندما ننظر إلى الأشياء نجدها لها أول ولها آخر، أي أنها محدودة مكانا، وما له بداية في المكان حتما له بداية في الزمان، لأن الزمان تابع ومرتبط بالمكان ارتباطا وجوديا، فلا وجود للزمان بشكل مستقل عن وجود المكان، فلا وجود للزمان بلا مكان، وبالتالي فكل محدود له بداية لوجوده المكاني والزماني، ومعنى ذلك أنه خلق في زمن معين بعد أن كان عدماً. ومن زاوية أخرى يعتبر المحدود قاصرا عن تخطي حدوده فهو يعجز عن الخروج عن حدوده إلا بغيره فهو إذن قاصر وعاجز، فهناك تلازم بين صفة المحدودية مع صفة العجز أو القصور، فصفة المحدودية إذن تلازم صفة العجز، فالمحدود يلزم أن يكون عاجزا، والعاجز لا يستطيع الخروج عن حدوده، ويظهر عجزه في عدم القدرة على ايجاد نفسه من باب أولى، ولذلك فهو موجود تابع في وجوده لغيره أي إنه مخلوق لغيره، وهو بحاجة إلى خالق يخلقه، فهنالك تلازم بين صفتي المحدودية والعجز، وتلازم العجز مع صفة المخلوقية في الأشياء.
ومن جهة أخرى يجب أن يتصف الخالق بصفات الكمال الملازمة لصفة الخالقية، وأن ينفى عنه كل صفات النقص والعجز، لأن اجتماع هذه الصفات في نفس الذات هو تناقض باطل لا يقبله العقل وفقا لبديهياته. ومن الصفات الملازمة لصفة الخالقية صفة القدرة بأن لا يكون عاجزا، ومن الصفات أيضاً الأزلية بأن لا يكون محدودا، وكذلك العلم المطلق والإرادة المطلقة وغيرها من صفات الكمال، التي دل على ثبوتها في الخالق وجود المصنوعات (المخلوقات) وصفاتها المدركة المحسوسة.
إذن توصلنا من خلال دليل المصنوعية للطاولة، ومن وجود صفات معينة في هذا المصنوع على لزوم وجود صفات مقترنة بها في الصانع، لأن أثر صفات الصانع ظهرت في المصنوع، فهو ارتباط سببي أي علاقة سببية بين أثر ومؤثر.
ولكن في دليل المحدودية توصلنا من خلال تلازم صفات معينة إلى أن وجود الكون هو وجود غير مستقل بذاته أي هو وجود تابع لغيره أي إنه مخلوق، والمخلوق لا بد له من خالق هو السبب في خلقه، فتوصلنا إلى وجوب وجود خالق للكون، ولكن لأن أهم صفة ملازمة للخالق هي الوجود المستقل بذاته، يوجب أن يتلازم مع هذه الصفة للخالق صفات أخر وهي أضداد صفات المخلوقات المحدودة العاجزة المحتاجة المخلوقة، فالخالق يجب أن يتصف بعدم المحدودية (الأزلية) وعدم العجز (القدرة المطلقة) وعدم الاحتياج (الصمدية)، وأيضا نتوصل إلى لزوم وجود صفات أخر تقترن مع صفة الأزلية مثل صفات الكمال وعدم النقص والعلم المطلق والإرادة المطلقة والوحدانية والربوبية وغيرها من الصفات. وهذه هي الصفات اللازمة التي يوجبها العقل لله رب العالمين.
وبعد، فهذه هي أهم المقدمات التي يوصى بالاتفاق عليها كمسلمات للنقاش مع غير المؤمنين بوجود الخالق، حتى يحصلإلزامهم بالأدلة والبراهين العقلية التي نستخدمها لإثبات وجود الله تعالى.
عسى الله أن ينفع بهذا أمة الإسلام التي جعلها الله شاهدة على الناس بالحق وللحق والهدى، وأن يجعلنا هداة مهديين يهدي الله على بأيدينا أمم الأرض الضالة، فتدخل في دين الله بقناعة العقول وطمأنينة النفوس. اللهم آمين.
1447-11-01