الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025: هل تنجح في وقف الانحدار والسقوط أم تُعجِّل بهما؟
22 ساعة مضت
المقالات
129 زيارة
الأستاذ نصر أبو إبراهيم
في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلن ترامب للرأي العام وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والمقدَّمة إلى الكونغرس الأمريكي. والناظر إليها يجد أنها، في جوهرها وأصولها، لم تختلف عن سابقاتها، وإن اختلفت في الأساليب، أو في مدى الخبث وطغيان شخصية الرئيس، سواء أكان من الحزب الديمقراطي أم من الحزب الجمهوري.
فترامب، الذي تتجلّى في شخصيته الغطرسة المفرطة، والهوس بالسلطة، وحب الاستعراض، والافتقار إلى الحكمة، والميل إلى الصراعات الداخلية وإقصاء الخصوم، مع حالة من النشوة؛ يهدف إلى الحفاظ على القيادة الأمريكية العالمية، وإيقاف الانحدار الذي تعاني منه أمريكا من خلال شعارات سافرة ودون أقنعة، مثل ”أمريكا أولًا“ و»السلام من طريق القوة»، بل ويذهب إلى حد إهانة حلفائه دون مواربة. وهذا ما عبّر عنه ترامب صراحةً في وثيقته الإستراتيجية بقوله (وتهدف هذه الإستراتيجية إلى جمع كل هذه المزايا وغيرها لتعزيز القوة والهيمنة الأمريكية، وجعل بلادنا أعظم مما كانت عليه في أي وقت مضى).
وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025.فيحصل، بناءً على ذلك، ترتيبُ الأهداف والأولويات في تحقيق القيم الأمريكية والخطوط العريضة للسياسة الأمريكية القائمة على الحفاظ على القيادة العالمية الأمريكية وتكريس هيمنتها.
إن الهدف من نشر الإستراتيجية للكونغرس الأمريكي، وبالتالي للرأي العام، هو تحديد أولويات التهديدات ووضع الأهداف التي تحقق المصالح الوطنية حسب ما تراه الإدارة الجديدة، والتي تحقق القيادة العالمية والهيمنة الأمريكية.
ومع رفع ترامب شعار “أمريكا أولًا” وشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، فقد أحدث تحوّلًا في الأولويات التي تحقق الأهداف، وفي تعريف المصالح الأمريكية التي تحافظ على القيادة الأمريكية وتعزّز هيمنتها على العالم، وتمنع بروز أي قوة تضاهي الولايات المتحدة.
فهذه الوثيقة تختلف عن سابقتها في تعريفها للمصالح الأمريكية؛ فبينما غلّفت إستراتيجياتٌ سابقة هذه المصالح بلغة الشراكة والقيم والنظام الدولي، تتخلّى وثيقة 2025 عن هذا الغلاف وتستعيض عنه بخطاب مباشر يقوم على المنفعة الصريحة.
وهنا نتناول أبرز ما تناولته الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي 2025، والتي كانت الأساس في الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية 2026، والتي نُشرت في هذا الشهر (يناير/كانون الثاني).
هذا أبرز ما جاء فيها:
-1 التفوق العسكري المطلق
بالحفاظ على ردع نووي قوي وحديث، وحماية أمريكا ببناء القبة الذهبية والقوى العسكرية الأخرى، وجاهزية الجيش، وبناء دفاعات سيبرانية متينة، وملاحقة الإرهابيين الإسلاميين القادرين على ضرب الوطن الأمريكي وتحييدهم.
-2 تأمين الحدود والتحكم بتدفق المهاجرين
وجعلها في المستويات الدنيا، وخاصة من المنطقة الإسلامية؛ وذلك لمنع أي تهديد على البنية المجتمعية في أمريكا، سواء للعِرْق الأبيض أو لطراز العيش الأمريكي.
جاء في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية تحت عنوان “نهاية عصر الهجرة الجماعية”:
(لقد انتهى عصر الهجرة واسعة النطاق. فالأشخاص الذين تسمح لهم أي دولة بدخول أراضيها، وعددهم، ومنشؤهم، سيحددون حتمًا مستقبل تلك الأمة. وكل دولة تعتبر نفسها ذات سيادة لها الحق والواجب في أن تحدد مستقبلها).
-3 الإحياء الروحي والثقافي الأمريكي
وإعادة الترويج لخطاب الفخر الوطني، والتمسك بالأسرة التقليدية، ورفض القيم الليبرالية الدخيلة.
-4عادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية
بما هو جزء من إحياء صناعي وطني أشمل.
فالإستراتيجية تَعدّ التمسك بعقيدة العولمة والتجارة الحرة خطأً، لأنها أضعفت الطبقة الوسطى والقاعدة الصناعية الأمريكية.
وهذا يعني نهاية العولمة التي وضعت أمريكا قواعدها عبر منظمة التجارة العالمية وسياسات التجارة الحرة، لتنتقل إلى الحمائية وتقديم أولوية الاقتصاد الوطني على المصالح الخارجية مع الدول الأخرى.
-5 التفوق الاقتصادي
من طريق تحقيق الأمن الاقتصادي، والتجارة المتوازنة، وتأمين الوصول إلى سلاسل التوريد والمواد الحيوية، وإحياء قاعدة الصناعات ومنها الصناعات الدفاعية، وهيمنة الطاقة، وحماية الهيمنة الأمريكية وتنميتها في القطاع المالي وعملتها الوطنية (الدولار)، والحرص على الريادة التكنولوجية المستمرة، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.فأمريكا ترى أن الصراع اليوم أصبح يدور حول الهيمنة على مصادر إنتاج الطاقة، والقدرة الصناعية والتكنولوجية، وإمكانات الابتكار.
-6 الدفاع بحزم عن المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي
وذلك بضمان الوصول العسكري والتجاري إلى المواقع الحيوية، ولا سيما قناة بنما، وخليج أمريكا، وغرينلاند.
فقد أوضحت الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي اهتمامًا كبيرًا بمنطقة نصف الكرة الغربي، والتي تَعُدّها «منطقة خالصة للولايات المتحدة الأمريكية»، وذلك عبر:
إحياء عقيدة مونرو لعام 1823 بالنسخة الترامبية التي تضع مسافة بين ضفتي الأطلسي، فتمنع أوروبا من أن يكون لها نفوذ في نصف الكرة الجنوبي.
استبعاد تام للصين وروسيا من التمركز العسكري أو السيطرة على الأصول الإستراتيجية داخل الحيّز الغربي.
توسيع النفوذ الاقتصادي عبر التعريفات والحوافز، واستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر.
وعليه نجد أن ترامب طلب من كندا الانضمام إليها لتصبح الولاية رقم 51، وهدد بنما لتلغي الاتفاقات مع الصين فقامت بنما وألغتها. وكذلك هاجم يوم 3/1/2026 فنزويلا، وضرب عاصمتها كراكاس، واعتقل رئيسها مادورو وزوجته، في غطرسة تفوح منها رائحة الاستعمار التقليدي المقيت! وسمّى هذا التعامل مع نصف الكرة الغربي بمبدأ ترامب المكمِّل لمبدأ مونرو. بل إن ترامب قفز بتهديداته إلى غرينلاند التابعة للدنمارك العضو في حلف الناتو.
-7 مواجهة التهديد الأيديولوجي الإسلامي
وذلك على الصعيد العالمي وحتى في الداخل الأمريكي. تقول مديرةُ الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد في 21 كانون الأول/ديسمبر 2025:
«إنّ هذه الأيديولوجية الإسلامية تُشكّل تهديدًا مباشرًا لحريتنا؛ لأنها في جوهرها أيديولوجية سياسية تسعى إلى إقامة خلافة عالمية».
فترامب ينص في إستراتيجيته عن الشرق الأوسط على: )منع المنطقة من أن تصبح بؤرة للإرهاب(.وهو في عرفهم الخبيث: الإسلام وحكم الإسلام، وهو ما صرّحت به إستراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026؛ حيث جاء فيها: ) تتمثل أولوية الوزارة (وزارة الحرب الأمريكية) في إفريقيا في منع الإرهابيين الإسلاميين من استخدام ملاذات آمنة إقليمية لشن هجمات على الوطن الأمريكي… وفي الوقت نفسه، سنسعى إلى تمكين الحلفاء والشركاء من قيادة الجهود الرامية إلى إضعاف التنظيمات الإرهابية الأخرى وتدميرها(.
وهذا يعني أن الخطر -في نظرهم- هو في الإسلام الذي تدين به المنطقة الإسلامية، حيث إن أهلها مسلمون يسعون لإقامة دولتهم وتحرير بلادهم من الهيمنة الأمريكية والغربية، وإسقاط الأنظمة التابعة لهم، والقضاء على كيان يهود.
-8 إبقاء الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية
ومنع أي دولة معادية من السيطرة على ثرواته وممراته المائية، أو أن تهدد إمدادات الطاقة، أو أن تصبح المنطقة حاضنةً أو مصدِّرةً للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الأراضي الأمريكية، وأن تبقى (إسرائيل) آمنة.
فقد جاء في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي: (نريد منع قوة معادية من السيطرة على الشرق الأوسط، واحتياطاته من النفط والغاز، وعنق الزجاجة التي تمر عبرها، مع تجنب «الحروب الأبدية» التي أغرقتنا في هذه المنطقة بكلفة باهظة).
(ولدينا أيضًا مصلحة واضحة في توسيع «اتفاقيات أبراهام» لتشمل دولًا أخر في المنطقة ودولًا أخر من العالم الإسلامي).
فأمريكا -من أجل أن تحقق مصالحها- تعلن الشراكة مع الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط، وخاصة الدول الخليجية، وعدم فرض القيم الديمقراطية بالقوة ما دامت تحقق المصالح الأمريكية، أو القيام بحروب كما تسميها «بناء الأمم» الفاشلة، ومواجهة التهديدات على المستويين الأيديولوجي والعسكري مع هذه الدول.
جاء في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025: (ويُظهر شركاء الشرق الأوسط التزامهم مكافحةَ التطرف؛ وهي نزعة ينبغي للسياسة الأمريكية أن تواصل تشجيعها. ويتطلب ذلك التخلي عن التجربة الأمريكية غير الحكيمة المتمثلة في ترهيب هذه الدول، ولا سيما ملكيات الخليج، لدفعها إلى التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية. وينبغي لنا تشجيع الإصلاحات والإشادة بها عندما تنشأ بشكل طبيعي، من دون السعي إلى فرضها من الخارج. ومفتاح العلاقة المثمرة مع الشرق الأوسط هو قبول المنطقة وقادتها ودولها كما هم، مع التعاون في مجالات المصالح المشتركة).
(كما أنها لا ترى أن فرض أسلوب حياتنا بالقوة أمر ضروري، ولا تسعى إلى حل جميع مشكلات العالم)الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية 2026.
لذلك فإن الولايات المتحدة تريد أن تحتكر منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أن هذا مصدر للاستثمارات الدولية ووجهة لها، وفي قطاعات أوسع بكثير من النفط والغاز، بما في ذلك الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع. ولتعزيز مصالح اقتصادية أخر، سواء لتأمين سلاسل الإمداد أو لتعزيز فرص تطوير أسواق صديقة ومفتوحة في مناطق أخر من العالم، مثل أفريقيا.وكذلك تدفع واشنطن بالشركاء الإقليميين، بمن فيهم دولة يهود وحلفاؤها في المنطقة، لتحمُّل مسؤولية أكبر في إدارة أمنهم الإقليمي؛ ما يسمح لواشنطن بتوجيه مواردها نحو تحديات إستراتيجية أخرى، وألّا تتحمل الولايات المتحدة فيها التزامات عسكرية طويلة الأمد.
-9 الحفاظ على حرية أوروبا وأمنها
مع استعادة ثقة الحضارة الأوروبية بذاتها وهوية الغرب.
فأمريكا ترى أن أوروبا تواجه خطر أن تُمحى حضاريًّا نتيجة خطر التحول الأيديولوجي بسبب المهاجرين في أوروبا، وهذه المخاطر تهدد بتفكيك حلف الناتو.
جاء في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025: ( ويُقابَل هذا التراجع الاقتصادي بأفق أكثر قتامة يتمثل في محوٍ حضاري محتمل. ومن بين المشكلات الأكثر خطورة التي تواجهها أوروبا: أنشطة الاتحاد الأوروبي وهيئات عابرة للحدود الأخرى التي تقوّض الحرية السياسية والسيادة، وسياسات الهجرة التي تُغيّر ملامح القارة وتُنشئ صراعات، والرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية، وانهيار معدلات المواليد، وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستصبح القارة غير قابلة للتعرّف عليها خلال عشرين عامًا أو أقل. وفي ظل هذه الظروف، ليس من الواضح إطلاقًا أن بعض الدول الأوروبية ستمتلك اقتصادًا وجيشًا قويَّين)
ويعمل ترامب اليوم على دعم الأحزاب اليمينية، وهو ما أعلنه نائب الرئيس الأمريكي من دعم الأحزاب اليمينية؛ فقد جاء في إستراتيجية الأمن القومي: ( ونحن سنعارض القيود غير الديمقراطية التي تفرضها النخب على الحريات الأساسية في أوروبا، وفي الفضاء الأنجلوسكسوني، وفي بقية العالم الديمقراطي، ولا سيما بين حلفائنا).
وتعمل أمريكا على أن تتولى أوروبا أمنها وزيادة تحمّل التكاليف والأعباء، وهذا يؤثر على الدول الأوروبية ويقلل النمو على الصعيد الاقتصادي.
وأمريكا تريد أن ينحصر الجهد الأوروبي على الأمن الداخلي؛ فقد جاء في الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية 2026: (وأخيرًا، سنكون واضحين مع حلفائنا الأوروبيين بأن جهودهم ومواردهم من الأفضل تركيزها على أوروبا، وذلك لسبب بسيط هو أن أوروبا هي المكان الذي يستطيعون فيه -ويجب عليهم- إحداث أكبر فرق لدفاعنا الجماعي).
-10 زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء
والمطالبة بأن يتحملوا نصيبهم العادل من أعباء الدفاع.جاء في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، تحت عنوان فرعي “تقاسم الأعباء ونقل التكاليف”، فقد ألزم دول حلف شمال الأطلسي تخصيصَ 5% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع.ما يعني أن يتحول العبء على الحلفاء، وليس على الولايات المتحدة التي ترى أنها استُنزِفت، وأنها غير قادرة على تحمل الأعباء مع ما تعانيه من أزمات اقتصادية. وأيضًا من أجل تقاتل حتى آخر جندي من حلفائها.
-11 روسيا ليست تهديدًا وجوديًا
ترى الوثيقة أن روسيا باتت لا تشكل تهديدًا وجوديًّا لها، بل هي مجرد خصم يمكن التفاهم معه، والأفضل لها هو احتواؤه عبر المفاوضات والحد من المواجهة المباشرة.
-12 ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ
عبر القوة لا المواجهة، من خلال موقف تفاوضي قائم على القوة.
فأمريكا تعمل على ردع الصين، ولكن ليس من طريق المواجهة المباشرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وإنما من طريق القوة، ودفع حلفائها إلى زيادة قوتهم وتحمل الأعباء، وأن يكونوا هم في المواجهة، مثل كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا ودول أخر ضمن التحالفات التي أنشأتها أمريكا في المنطقة، تحسبًا لحروب متزامنة متعددة الأماكن.
جاء في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025: (ونظرًا لإصرار الرئيس ترامب على أن تتولى كل من اليابان وكوريا الجنوبية نصيبًا أكبر من المسؤولية، يتعين علينا حثّ هذين البلدين على زيادة إنفاقهما الدفاعي، مع التركيز على القدرات -بما في ذلك القدرات الجديدة- اللازمة لردع الخصوم وحماية «سلسلة الجزر الأولى». وسنعزز أيضًا وجودنا العسكري في غرب المحيط الهادئ، مع حثّ تايوان وأستراليا على زيادة إنفاقهما الدفاعي، كما كنا نفعل حتى الآن)
وهذا يمكن أمريكا من استهداف النفوذ الصيني الذي بنته عبر مشروعها الحزام والطريق، والمساعدات الاقتصادية (القروض) الميسّرة، واستثماراتها المختلفة، وشراء الأراضي، والشراكات التجارية مع الدول في مختلف دول العالم؛ لتعطيل هذه المشاريع، ومنع تقدمها، وإنهاء نفوذها عبر استهداف أماكن تواجدها، سواء في نصف الكرة الجنوبي أو أفريقيا أو الشرق الأوسط أو القطب الشمالي أو محيطها في الهندي والهادئ.
وتعمل أمريكا على منع الصين من احتلال تايوان أو السيطرة على مضيق تايوان، وكذلك منعها من إضعاف الهيمنة الأمريكية على القطاع المالي والدولار وسوق الطاقة…
-13 إضعاف تأثير المؤسسات والمنظمات الدولية
لتحقيق المصالح الأمريكية.فأمريكا تعيد تشكيل التحالفات الدولية خارج المنظمات الدولية؛ بعد أن كانت في السابق تعتمد على هذه المؤسسات لتحقيق الهيمنة الأمريكية، ترى اليوم -مع تنامي قوى تعارضها على المسرح الدولي- أن التزام هذه المؤسسات يتوقف على مدى تحقيق مصالحها، وإن كان التزام هذه المؤسسات يتعارض مع مصالحها؛ انسحبت منها أو قامت بشن هجوم عنيف عليها، وهذا ما تفعله مع القانون الدولي.
فقد جاء في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025، في بيان التأثير السلبي لالتزام المؤسسات الدولية: (وربطت السياسة الأمريكية بشبكة من المؤسسات الدولية، بعضها مدفوع بمعاداة أمريكية صريحة، والعديد منها تحركه نزعة عابرة للحدود تسعى صراحةً إلى إذابة سيادة الدول الفردي)
وهذا يجعل أمريكا تستغل حاجة الدول للمساعدات لتحقيق صفقات والسيطرة والهيمنة على الدول والمعادن النادرة؛ فقد جاء في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025: (وينبغي للولايات المتحدة أن تنتقل من علاقة مع أفريقيا قائمة على المساعدات إلى علاقة قائمة على التجارة والاستثمار، عبر تفضيل الشراكات مع دول كفيّة وموثوقة تلتزم فتح أسواقها للسلع والخدمات الأمريكية. ويُعدّ قطاع الطاقة وتطوير المعادن الحيوية مجالات استثمار فورية للولايات المتحدة في أفريقيا، مع آفاق جيدة للعائد على الاستثمار. كما أن تطوير التقنيات المدعومة أمريكيًا في مجالات الطاقة النووية، وغاز البترول المسال، والغاز الطبيعي المسال يمكن أن يحقق أرباحًا للشركات الأمريكية ويساعدنا في المنافسة على المعادن الأساسية وغيرها من الموارد).
-14 إعادة الاصطفاف عبر السلام
”الازدهار عبر السلام“، وذلك من طريق إنهاء صراعات وحروب؛ لتتمكن أمريكا من السيطرة على ثروات، أو فتح أسواق جديدة، وآفاق جديدة، أو نفوذ جديد في تلك الأماكن.
)يُعد السعي إلى اتفاقيات سلام بقيادة الرئيس، حتى في المناطق والدول الطرفية بالنسبة لمصالحنا الأساسية المباشرة، وسيلة فعالة لزيادة الاستقرار، وتعزيز النفوذ العالمي للولايات المتحدة، وإعادة اصطفاف الدول والمناطق مع مصالحنا، وفتح أسواق جديدة(.
إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025
الخاتمة
إن الناظر إلى الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي 2025، وكذلك ما جاء في الإستراتيجية الدفاعية 2026، يجد أن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة كبيرة: تحديات داخلية وخارجية، وأن أمريكا تعاني من التراجع، وتواجه خطرًا يتهدد الهيمنة الأمريكية؛ أيديولوجيةٌ مصدرها العالم الإسلامي. فالأيديولوجية الإسلامية هي الوحيدة في العالم اليوم التي تتحدى وتشكل خطرًا عليها وعلى مصالحها في العالم.
فأمريكا تنظر إلى الصراع مع الصين على أنه صراع تكنولوجي وصناعي وتحديات اقتصادية وعسكرية صاعدة، وهي في صراعها مع الإسلام تخسر؛ لأن الإسلام يملك القوة الجاذبة. وفي صراعها مع المسلمين استنزفتها الحروب على الصعيد الاقتصادي والقيمي والمكانة الدولية. وإذا أضيف إلى ذلك فساد الحضارة الغربية، واستنزاف الرأسماليين الجشعين الذين يريدون تحقيق مصالحهم على حساب شعوبهم، فخاضوا حروبًا جرّت الويلات عليهم وتسببت في أزمات مالية، فتعاظمت الديون الأمريكية إلى ما يقارب 40 تريليون دولار.
فأمريكا تعمل على وقف النزيف في اقتصادها عبر إعادة الحياة للاقتصاد بدعم القاعدة الصناعية، وإعادة الشركات والمصانع إلى الداخل الأمريكي، وهذا يصطدم بارتفاع الأجور، وخاصة أجور أصحاب الكفايات. أما إجراءاتها الأخرى فلا تخلو من عقبات وتحديات كبيرة، مثل تعزيز الأسواق المالية، والحفاظ على هيمنة الدولار من حيث هو احتياطي وعملة موثوقة يجري التسعير بها، وكذلك إجراء التحويلات المالية بها، وتقليل العجز التجاري مع المنافسين، والسيطرة على سلاسل التوريد والمعادن النادرة، والهيمنة على سوق الطاقة، واعتماد الحمائية لتنشيط التجارة المحلية والتصنيع، ضاربةً عرض الحائط بمبدأ التجارة الحرة والعولمة الاقتصادية؛ فإن تحقيق ذلك ليس بالأمر السهل أو في متناول اليد.
ولذلك فهي توظف القوة العسكرية والتلويح بها لتحقيق أهدافها، حسب مبدأ ”فرض السلام بالقوة“، وتستخدم الإكراه الاقتصادي سلاحًا بعد أن فشلت في القوة الناعمة، وهي بذلك تضرب يمنةً ويسرةً، لا تفرق بين خصم وصديق، أو عدو وحليف؛ المهم عندها تحقيق مصالحها، والحفاظ على قيادتها وهيمنتها الدولية، وأن تمنع أي دولة من التفوق عليها. فهي لا تعير اهتمامًا لقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية السائدة بين الدول، ومبدأ سيادة الدول، التي عملت على إرسائها بعد الحرب العالمية الثانية، إن كان ذلك يعارض مصالحها.
فهي تعيد شكل الاستعمار القديم وسيطرة الإمبراطوريات القديمة، وقد ضربت بعرض الحائط المؤسسات والمنظمات الدولية، وخرجت من أكثر من ستين منظمة لأنها ترى فيها أنها تعيق تحقيق مصالحها. وهي تضعف تأثير الأمم المتحدة، وتعمل على تشكيل تحالفات بديلة عنها لتحقيق مصالحها، كما أنها تزيد من الانقسام الداخلي وتعمّقه عبر التغييرات في المؤسسات الحكومية، واستهداف الخصوم السياسيين في الداخل الأمريكي، وإذكاء العنصرية ضد السود والمهاجرين. وكذلك، من ناحية أخرى، فإن سيطرة الديمقراطيين والليبراليين أصحاب الرؤى الاجتماعية الشاذة قد فاقمت نشر الشذوذ وفوضى الإباحية وإضعاف الأسرة وقلة الإنجاب، وهي لا تملك ثقافة تعالج هذه الأمراض.
فقيام ترامب بهذه التحولات الداخلية، وبالعربدة والعنجهيّة الخارجية وسلوك راعي البقر، لا يحل مشكلات أمريكا ولا ينقذها من سقوطٍ مدوٍّ؛ فإن أمريكا بذلك تنقض بنيانها بنفسها، وتعمق من أزماتها الداخلية، وأيضًا تفتح على نفسها أزمات خارجية حتمية نتيجة هذا السلوك البلطجي الأرعن، الذي سيزيد الأعداء والخصوم، وسيزيد من التفكير والعمل للانعتاق من الهيمنة الأمريكية، يستوي في ذلك القوي والضعيف. وهذا سيجعل أمريكا مستنزفة خارجيًا، وينخرها السوس داخليًا، فتسقط وإن كانت في أوج قوتها العسكرية، وما أمثلة التاريخ عنها ببعيد، ولكنها تحتاج إلى من يركلها فتسقط أرضًا، فتكثر السكاكين التي تمزقها، وهذه هي سنة الله في الطغاة والمتكبرين؛ الذين قالوا: مَن أشد منا قوة؟ والذين علوا وتجبروا، فكان الله لهم بالمرصاد.
وإن أمريكا تضع منع وصول الإسلام إلى الحكم نصب عينيها في هذه الإستراتيجية، وهي تعمل على محاربة العاملين للخلافة، ولكن أمر الله نافذ، ووعده حق وصدق، وسترى أمريكا من العاملين للخلافة ما يسوؤها ويرد كيدها وينهي قيادتها وهيمنتها على العالم، وهو ما كانت تحذر منه: خلافةٌ على منهاج النبوة.
(وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ١٣٧)(الأعراف: 137).
1447-09-25