هل نعيش نهايةَ مرحلةٍ تاريخيَّةٍ أم بدايةَ انهيارٍ طويل؟
22 ساعة مضت
المقالات
94 زيارة
الأستاذ نبيل عبد الكريم
ليس من طبيعةِ التحوّلاتِ التاريخيَّةِ الكبرى أن تُعلِنَ نفسَها في بيانٍ رسميٍّ أو لحظةٍ فاصلةٍ، بل غالبًا ما تتكشَّف عبر سلسلةِ أزماتٍ تُدار بدلًا أن تُحلّ، وتُحتوى بدلًا أن تُفهم.
وعندما تتزامن الضغوط التضخميَّةُ مع اختلالاتِ الديونِ السياديَّة، ويترافق العجزُ الاقتصاديُّ مع تصلّبٍ سياسيٍّ وتفكّكٍ اجتماعيٍّ، فإن ما يواجهه العالمُ يتجاوز منطقَ الدوراتِ الاقتصاديَّةِ المعتادة، ويدخل في نطاقِ التآكلِ البنيويِّ للنظامِ الدوليِّ نفسه.
إن الإشاراتِ القادمةَ من مراكزِ القرارِ والأسواقِ والنزاعاتِ الجيوسياسيَّة لا توحي بمرحلةِ تصحيحٍ، بل بانتقالٍ قلقٍ من نظامٍ كان قادرًا—ولو نسبيًّا—على ضبطِ التوازنات، إلى واقعٍ تتقدَّم فيه إدارةُ الأزمة على التخطيط، وتُستبدل فيه بالقواعد الاستثناءاتُ، وبالمؤسَّساتِ ردودُ الفعل. وفي مثلِ هذا السياق يصبح الحديثُ عن الاستقرار نوعًا من المكابرة، ويغدو الانهيارُ احتمالًا زاحفًا لا حدثًا مفاجئًا.
من هنا لا يُطرح السؤالُ حول طبيعةِ اللحظةِ الراهنة بدافعِ التشاؤم، بل بدافعِ التحذيرِ السياسيِّ الواجب، والاستشرافِ لفجرٍ جديدٍ يليقُ بالإنسان.
هل يشهد العالمُ نهايةَ مرحلةٍ تاريخيَّةٍ استنفدت أدواتِها وشرعيتَها، أم هو دخل فعلًا في مسارِ انهيارٍ طويلٍ ستتحدَّد كلفتُه وفق قدرةِ الفاعلين على إدراكِ عمقه، لا وفق نواياهم المعلَنة؟
إن تجاهلَ هذا السؤال لا يؤجِّل الإجابة، بل يتركها تُفرض لاحقًا بواقعات أكثرَ قسوةً وأقلَّ قابليَّةً للاحتواء.
يمكن تصوّر ما نعيشه نهايةَ مرحلةٍ تاريخيَّةٍ، ليس بوصفِها أزمةً عابرةً في الأداءِ السياسيِّ أو الاقتصاديِّ، بل بوصفها تعبيرًا عن استنفادِ النموذجِ الذي حكم العالمَ لعقود.
فالأنظمةُ لا تسقطُ فقط عندما تُهزمُ عسكريًّا، بل حين تعجزُ عن تفسيرِ الواقعِ الذي أنتجته، أو عن تقديمِ حلولٍ للأزماتِ التي باتت جزءًا بنيويًّا من وجودها.
أحدُ أبرزِ مؤشّراتِ نهايةِ المرحلة يتمثّل في تآكلِ شرعيَّةِ النظامِ الدوليِّ الليبراليِّ الذي تشكَّل بعد الحربِ العالميَّةِ الثانية. هذا النظامُ، القائمُ على مؤسَّساتٍ، كالأممِ المتحدة وصندوقِ النقدِ الدولي والبنكِ الدولي، كان يُفترض أن يوفِّر آلياتٍ عادلةً لإدارةِ الصراعِ والتنمية؛ غير أن العقودَ الأخيرة كشفت تحوُّلَه من إطارِ حوكمةٍ عالميَّة إلى أداةٍ تُدار وفق ميزانِ القوى؛ حيث تُطبَّق القواعدُ على الضعفاء وتُعلَّق عند تعارضها مع مصالحِ القوى الكبرى.
فالحروبُ التي اندلعت دون تفويضٍ دوليٍّ، والعقوباتُ التي تُفرض خارجَ أي توافقٍ قانونيٍّ، تَشي بأن النظامَ بات لا يُنتجُ الشرعيَّة، بل يستهلك ما تبقّى منها.
سياسيًّا، يتجلّى انتهاءُ المرحلة في أزمةِ الدولةِ الوطنيَّةِ نفسها؛ فالدولةُ التي كانت تُقدَّم باعتبارها الضامنَ للاستقرارِ والعدالةِ الاجتماعيَّة، باتت عاجزةً عن حمايةِ مواطنيها من التآكلِ الداخلي، أو من تقلّباتِ الأسواقِ العالميَّة، أو حتى من قراراتٍ تُتخذ خارجَ حدودها.
دولٌ كبرى اليوم تجد نفسها رهينةً لسلاسلِ توريدٍ عالميَّةٍ أو لأسواقٍ ماليَّةٍ قادرةٍ على معاقبتها في أيامٍ معدودة؛ ما يعني أن السيادةَ السياسيَّة باتت غير متناسبةً مع المسؤوليَّةِ الاجتماعيَّة، وهو اختلالٌ خطيرٌ في منطقِ الحكم.
وعلى مستوى القوى الكبرى، فإن تحوُّلَ الصراع من تنافسٍ منضبطٍ إلى صدامٍ مفتوحٍ على القواعد يشكِّل علامةً إضافيَّةً على نهايةِ المرحلة.
فالصراعُ بين الولاياتِ المتحدةِ والصين، على سبيل المثال، صار لا يدورُ فقط حول النفوذِ التجاريِّ أو التكنولوجيِّ، بل حول تعريفِ القواعدِ نفسها: من يصوغها؟ ومن يملك حقَّ خرقها؟ هذا النوعُ من الصراع لا ينتمي إلى نظامٍ مستقر، بل يشير إلى مرحلةٍ انتقاليَّةٍ لمّا تتبلورْ فيها معالمُ التوازنِ الجديد.
ويُضاف إلى ذلك انهيارُ الوهمِ المرتبطِ بالاستقرارِ الاقتصاديِّ طويلِ الأمد؛ فالنموذجُ الذي قام على الدَّين، وتوسيعِ الكتلةِ النقديَّة، وتأجيلِ الأزمات عبر أدواتٍ ماليَّةٍ، وصل إلى حدودِه القصوى.
التضخُّمُ اليوم ليس حادثًا استثنائيًّا كما كان في الماضي، بل أداة سياسيَّة غير معلَنةٍ لنقلِ كلفةِ الأزمات إلى المجتمعات. وعندما تتحوَّل السياساتُ النقديَّة إلى وسيلةٍ لإدارةِ الغضبِ المجتمعي بدلَ تحقيقِ العدالةِ الاقتصاديَّة، فإن ذلك يشير إلى مأزقٍ تاريخيٍّ لا تقني.
والأخطرُ من ذلك أن هذه التحوّلات تجري في ظلِّ عجزِ النخبِ السياسيَّة عن إنتاجِ سرديَّةٍ مقنعةٍ للمستقبل. ففي مراحلِ الصعودِ السابقة، كانت النخبُ قادرةً على الوعدِ بالنموِّ أو الرفاهِ أو الأمن؛ أمّا اليوم فغالبُ الخطابِ السياسيِّ يدورُ حول إدارةِ الخسائر، وطلبِ الصبر، والتحذيرِ من الأسوأ.
وعندما تعجزُ النخبُ عن الوعد وتكتفي بالتخويف، فإنها تعترف ضمنيًّا بأن المرحلةَ التي تمثّلها شارفت على نهايتها.
وعليه، فإن تصوّر ما نعيشه نهايةَ مرحلةٍ تاريخيَّة لا يقوم على التشاؤم، بل على قراءةٍ سياسيَّة لمسارٍ طويلٍ من التآكلِ البنيوي. نحن أمام نظامٍ بات عاجزًا عن إعادةِ إنتاجِ نفسه بالقواعدِ ذاتها، وعن احتواءِ تناقضاته دون اللجوء إلى أدواتٍ قسريَّةٍ أو استثنائيَّة؛ وهذا بالضبط ما يميّز نهاياتِ المراحل: ليست لحظةَ سقوطٍ مدوِّية، بل زمنَ فقدانِ القدرةِ على الاستمرارِ بالطريقةِ نفسها.
إن الانهيارَ الطويل هو الشكلُ الذي تتخذه هذه النهايات عندما تعجزُ القوَّةُ المهيمنة عن الاعترافِ بها أو عن إدارةِ الانتقالِ منها. فالانهياراتُ في العصرِ الحديث لا تأتي على هيئةِ سقوطٍ واحدٍ شامل، بل تتجسّد في مسارٍ ممتدٍّ من التآكلِ المتدرِّج، حيث تستمرُّ البنى في العمل شكليًّا بينما تفقد قدرتَها الفعليَّة على الإنتاجِ والضبطِ والشرعيَّة.
وحالةُ الانهيارِ الطويل لها عدّةُ سماتٍ، منها:
السِّمَةُ الأولى:
تحوُّلُ الاستثناءات إلى قواعد، وتُدارُ الأزماتُ المتلاحقة دون أفقِ حسم. التضخُّمُ يصبح واقعًا جديدًا، والديونُ ضرورةً، والحروبُ إدارةَ مخاطر.
في هذا السياق لا يُنظرُ إلى الاختلال بوصفه خللًا يجب إصلاحه، وإنما بوصفه معضلةً دائمةً ينبغي التعايشُ معها، وهذه أخطرُ مراحلِ الانهيار؛ لأنها تُفرغُ السياسةَ من وظيفتها التحويليَّة وتحصرُها في إدارةِ الخسارة.
السِّمَةُ الثانية:
تآكلُ المعنى السياسي؛ فالديمقراطيَّة تتحوَّل إلى إجراءٍ بلا مضمونٍ اجتماعي، والسيادةُ إلى خطابٍ بلا أدوات، والتنميةُ إلى أرقامٍ لا تنعكس على حياةِ الناس.
ومع غيابِ المعنى يتصاعد الغضبُ الشعبي، لا بوصفه مشروعًا بديلًا، وإنما رفضًا غامضًا للنظامِ القائم.
وهنا تنمو الشعبويَّة، لا حلًّا، وإنّما عرَضًا جانبيًا لانهيارِ الثقةِ في النخبِ والمؤسَّسات.
السِّمَةُ الثالثة:
عسكرةُ الاقتصاد وتسييسُ الأسواق؛ فليست الحروبُ اليوم امتدادًا للسياسة بوسائلٍ أخرى، بل باتت الأسواقُ نفسها ساحةَ صراع: عقوبات، وحروب عملات، وسلاسل توريدٍ مُسَيَّسة، وتكنولوجيا تُستخدم سلاحًا. هذا التداخلُ بين الاقتصادِ والأمن يشير إلى مرحلةٍ فقد فيها النظامُ العالمي آليَّةَ الفصلِ والضبط، وأصبح الصراعُ شاملًا، لكنه منخفضُ الكثافة وممتدٌّ زمنيًّا بدلَ أن يكون حاسمًا.
غير أن التاريخ لا يسيرُ في خطِّ انهيارٍ مفتوحٍ بلا احتمالاتِ قطع. فالانهياراتُ الطويلة تُنتج دائمًا الحاجةَ إلى مبدأٍ جديدٍ يعيد تنظيمَ العلاقات، حتى وإن لم يكن أكثرَ عدالةً بالضرورة. والسؤالُ هنا ليس: هل سيظهر مبدأٌ جديد؟ بل: أيُّ مبدأ؟ وعلى يدِ من؟
وهنا أمامنا ثلاثةُ احتمالات:
الاحتمالُ الأوّل:
نشوءُ نظامِ تعدديَّةٍ صلبة لا يقوم على هيمنةِ قطبٍ واحد، بل على توازنِ قوى إقليميَّةٍ كبرى. في هذه الحالة لا تُدارُ العلاقاتُ الدوليَّة بمنطقِ القيمِ العالميَّة، بل بمنطقِ المصالحِ المتقاطعة والحدِّ الأدنى من الاستقرار. هذا الاحتمال قد يحدُّ من الفوضى الشاملة، لكنه يحملُ مخاطرَ تكريسِ مناطقِ نفوذٍ وصراعاتٍ متعددةٍ ومجمَّدة، ويبقي العالمَ في حالةِ توترٍ دائم دون انفجارٍ شامل.
الاحتمالُ الثاني:
صعودُ مبدأِ السيادةِ الاقتصاديَّة بدلَ العولمةِ المنفلتة؛ أي عودةُ الدول إلى حمايةِ إنتاجها وغذائها وطاقتها، وتقليصُ ارتهانها للأسواقِ العالميَّة. هذا الاحتمال قد يعيدُ التوازنَ الداخليَّ للدول، لكنه في الوقتِ نفسه ينهي وهمَ السوقِ العالميِّ الموحَّد، ويفتح البابَ أمام تنافسٍ حادٍّ على الموارد ما لم يُضبط بأطرٍ تعاونيَّةٍ جديدة.
وفي جوهره، فإن الاحتمالين الأوّل والثاني يشبهان بداياتِ الحالةِ التي نعيشها، وقد يكونان إعادةَ إنتاجٍ للرأسماليَّة بأشكالٍ جديدة.
الاحتمالُ الثالث:
بروزُ مبدأٍ إنسانيٍّ تنمويٍّ بديلٍ يعيد ربطَ الاقتصادِ بالإنسان، لا بالأرقام وحدها.
إن المبدأَ الإسلاميَّ هو الوحيدُ القادرُ على اعتلاء ساحةِ انهيارِ النماذجِ السائدة، لكن بشرطٍ حاسم: أن يُحمل ويُطبَّق بوصفه منهجَ حياةٍ وحكمٍ وعدالة، لا بوصفه شعارَ هويَّةٍ أو أداةَ صراع.
وهنا سوف أتناوله تحديدًا في نقاطِ الفشلِ الكبرى في النظامِ العالميِّ الحالي.
فالمبدأُ الإسلاميُّ لا يفصلُ الاقتصادَ عن وجهة النظر في الحياة، بل يضبطُه ضمن أحكامٍ شرعيَّةٍ تراعي الإنسانَ وتوزيعَ الثروات، ولا تتركُ الثروةَ لقانونِ التراكمِ الأعمى. وهو يُحرِّم الربا والاحتكارَ وكل أدواتِ الرأسماليَّة التي تخنقُ الدولَ والمجتمعاتَ اليوم، ويعملُ على تقليصِ الفوارقِ الطبقيَّة، وإنهاءِ الفقرِ من جذوره.
وفي جوهرِه السياسي، لا يؤسِّس لحكمٍ يقبلُ الديكتاتوريَّةَ ولا الفوضى الشعبويَّة، بل لمنطقِ مسؤوليَّةِ الحاكم، ومركزيَّةِ العدل، وأولويَّةِ المصلحةِ العامَّة؛ وهو ما يفتقده العالمُ اليوم. ناهيك عن كونه منهجًا ربانيًّا صُمِّم أساسًا لسعادةِ البشريَّة من ربِّ البشر.
لذلك فإن مبدأَ الإسلام هو الحلُّ الأعمقُ لأزمةِ العالمِ الحديث.
وفي المحصِّلة، لا يعيشُ العالمُ لحظةَ سقوطٍ نهائيٍّ، ولا يقف على أعتابِ خلاصٍ قريبٍ واضح، بل يعبرُ مرحلةَ فراغٍ تاريخيٍّ يتقدَّم فيها الانهيارُ أسرعَ من تشكُّلِ البدائل. وفي مثلِ هذه اللحظات لا تكونُ الأزمةُ في غيابِ الأفكار، بل في غيابِ من يملكُ الجرأةَ على تحويلِ الأفكارِ إلى مشروع، والقيمِ إلى مؤسَّسات، والعدلِ إلى ممارسةِ حياة.
إن المبدأَ الإسلاميَّ بما يحملُه من توازنٍ نادرٍ على جميع الأصعدة لا يُقدَّم اليوم إجابةً جاهزةً على أسئلةِ العالم، بل أفقًا حضاريًا مؤجَّلًا ينتظر شروطَه التاريخيَّة. فصِحَّةُ النظرية لا تكفي، والعدالةُ المجرَّدة لا تفرضُ نفسها تلقائيًّا ما لم تجد من يُجسِّدُها في نموذجٍ عمليٍّ يصمدُ أمام تعقيدِ العصر وضغوطِ القوى.
هنا يظهر حزبُ التحرير، بمشروعِه وكتلتِه القادرة على تطبيقِ المشروع، وندعو كلَّ مسلمٍ في وسط هذا الكفر المتحكِّم في بلادِ الإسلام أن يَغذّ السيرَ مع هذا الحزبِ العظيم، الذي بنظرتِه المستنيرة وعملِه الدؤوب جهَّز كلَّ شيءٍ لقيامِ دولةِ الإسلام، وهو يأخذُ بيدِ أبناء الأمَّة حتى يجعلوا قضيتَهم؛ استئنافِ الحياةِ الإسلاميَّة، قضيَّةً مصيريَّة، ويتخذوا تجاهها إجراءَ الحياةِ أو الموت؛ فيقيموا دارَ الإسلام، ويجمعوا بلادَ المسلمين، وينطلقوا وهم يحملون مفهومَ الأمَّةِ الواحدة بخليفةٍ واحد، ويردِّدوا بإيمانٍ صادقٍ واستنارةٍ ووعي مقولة رسولهم صلى الله عليه وسلم:»يا عمّ، واللهِ لو وضعوا الشمسَ في يميني، والقمرَ في يساري على أن أتركَ هذا الأمر حتى يُظهرَه الله أو أهلِكَ فيه، ما تركتُه».
1447-09-25