إنشاء صناعة الآلات واجبٌ شرعي يمنع التبعية للدول الاستعمارية وشركاتها – باكستان نموذجًا
9 ساعات مضت
المقالات
15 زيارة
مصعب عمير – باكستان
أوردت صحيفة الفجر الباكستانية في 5 يونيو 2026: “إن احتياطات النقد الأجنبي لدى بنك الدولة تقترب من هدف 18 مليار دولار للسنة المالية الحالية، لكن اتساع العجز التجاري يهدد بمحو النمو في الاحتياطات والتحويلات المالية”، وفي باكستان، تُثار مسألة العجز التجاري كل عام، وعلى مدى عقود متتابعة، في النقاشات السابقة واللاحقة لإعلان الميزانية. فمنذ قيام باكستان، كانت كلفة الواردات تفوق بكثير ما تحققه من الصادرات. وتحت ذريعة العجز التجاري بوصفه عنصرًا رئيسًا في العجز المالي، تعلن الحكومة الميزانية وهي تستدين المزيد لسد العجز، ثم ترفع الضرائب لتفادي التعثر في سداد الديون، حتى تتمكن من الإنفاق على فوائد القروض.
وفي الواقع، تعيش باكستان عجزًا تجاريًا مستمرًا بغض النظر عن نوع الحكومة، مدنية كانت أو عسكرية أو هجينة. وفي كل عام، وبلا استثناء، يزداد دين باكستان، وتزداد معه مدفوعات الفوائد الربوية والضرائب. ومع كل سنة، يزداد هذا المسار سوءًا، ويشتد معه العذاب، فيفر الناس من البلاد طلبًا للنجاة، غير أن الفرار من الشدة ليس حلًا لمجموع السكان، ومن الواضح أنه في ظل النظام الاقتصادي القائم في باكستان لا مخرج من هذه الدائرة. ومع ذلك، فإن هذا المشهد السنوي بدأ يثير التساؤل لدى كثير من المسلمين، الذين يبحثون عن سبيل للخروج من هذه الحلقة الجهنمية، وكسر هذه الحلقة يتطلب النظر إلى حقيقة العجز التجاري من زاوية خاصة، وهي زاوية أحكام الله سبحانه وتعالى.
وعند التأمل في الواقع الذي تُنزَّل عليه الأحكام الشرعية، يظهر من خلال مراجعة دقيقة للأرقام السنوية التي ينشرها بنك الدولة الباكستاني خللٌ واضح ومزمن في الصناعة في باكستان. ففي السنة المالية 2025، بلغ إجمالي فاتورة الواردات 58.7 مليار دولار، في حين لم تحقق الصادرات سوى 31.4 مليار دولار. ويتضح العجز التجاري الكبير بمجرد مقارنة الرقمين. وعلى جانب الواردات، كان أكبر بند هو “وقود المعادن والزيوت ومنتجات تقطيرها” بتكلفة 15.9 مليار دولار. ثم بند “الآلات والأجهزة الميكانيكية” بتكلفة 8.4 مليار دولار. ثم بند “المركبات والطائرات والسفن ووسائل النقل المرتبطة بها” بتكلفة 2.16 مليار دولار. أما على جانب الصادرات، فكانت أكبر سلعة مدرّة للدخل هي “المنسوجات والمواد النسيجية” بإيراد بلغ 17.4 مليار دولار.
ويبرز من هذا الواقع أسئلة مقلقة كثيرة: كيف يعقل أنه بعد نحو ثمانية عقود، ما تزال زراعة باكستان تعتمد على الآلات والمركبات المستوردة؟ وباكستان تملك شعبًا ذكيًا ومجتهدًا، وقد نجح في امتلاك السلاح النووي، ويُصدِّر سنويًا عقولًا لامعة إلى أكثر البلاد الصناعية تقدمًا في العالم، فكيف عجزت عن إنتاج الآلات الثقيلة والمركبات محليًا؟ ولماذا ما تزال صناعة النسيج الباكستانية تعتمد على الآلات وقطع الغيار المستوردة، الأمر الذي يؤدي كثيرًا إلى تعطّل الإنتاج عند تعطل المعدات؟ وباكستان تملك وفرة من المواد الخام ومصادر الطاقة، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة اللازمة لإنتاج الشرائح الإلكترونية المتقدمة والبطاريات، فلماذا تعتمد على آلات الشركات الغربية في المسح والاستخراج والتكرير لمواردها هي؟
إن باكستان لا تستطيع سوى تصدير المنسوجات منخفضة القيمة، وهي صورة أولية من الصناعة، فلماذا لا تزال عاجزة عن إنتاج صادرات عالية القيمة مثل المركبات والمحركات والآلات والإلكترونيات المتقدمة، لتحقق دخلًا كبيرًا من التصدير؟ إن لهذه الأسئلة المزعجة جوابًا واحدًا مخيفًا: هناك خلل بنيوي عميق ومستمر منذ عقود داخل القاعدة التصنيعية لباكستان، وهو غياب صناعة الآلات، فصناعة الآلات هي التي تصنع الآلات وتُبقيها صالحة لخدمة المستهلكين والصناعة ومعظم المصانع والشركات الأخرى في الاقتصاد.
إن غياب صناعة الآلات ليس صدفة، بل هو نتيجة تصميم مقصود، إنه مظهر من مظاهر الاستعمار الاقتصادي، الذي يحرص على حصر صناعة الآلات في أيدي القوى الاستعمارية، حتى تتمكن من استغلال المواد الخام والمنتجات منخفضة القيمة والأسواق الاستهلاكية الضخمة في العالم الثالث. وهذا الاستعمار الاقتصادي تمارسه جميع القوى الاستعمارية الكبرى: الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا، حيثما وجدت فرصة، ولهذا فإن الاعتماد على صناعة الآلات الأمريكية وشركاتها لا يقل خطرًا عن الاعتماد على صناعة الآلات الصينية، فهذا الاعتماد لا يمكن أن يكون نقطة تحول، ولا يمكن أن يبني اقتصادًا مستقلًا قويًا. ومن هنا، فإن واقع باكستان يشبه واقع أمريكا الجنوبية أو إفريقيا أو الشرق الأوسط، كما أن دراسة البيانات الصادرة عن البنوك المركزية المختلفة والوزارات المختلفة تؤكد الحقيقة نفسها في أي بلد مسلم.
ويظهر تصميم الاستعمار الاقتصادي أيضًا في نموذج التنمية الذي يفرضه صندوق النقد والبنك الدوليان على العالم الثالث، بما فيه العالم الإسلامي. فهذا النموذج الاستعماري يسمح ببناء السكك الحديدية والطرق والمخازن والموانئ لتسهيل تصدير المنتجات المحلية والمواد الخام منخفضة القيمة، وكذلك استيراد المنتجات الأجنبية باهظة الثمن، بينما يمنع بناء المفتاح الحقيقي للتنمية المستدامة والاستقلال الصناعي والخروج من الفقر، وهو صناعة الآلات. ووحدها صناعة الآلات تمكّن البلد من تقليل واردات الآلات والمركبات المكلفة عبر تصنيعها محليًا، وتمكّنه من استكشاف موارده الخام واستخراجها وتكريرها دون تسليم ثرواته للشركات الأجنبية، كما تسمح له ببناء بنية تحتية عسكرية متكاملة وآمنة، دون تبعية خطيرة للقوى الأجنبية، وهي تبعية يمكن استغلالها وقت النزاع. ولهذا فإن التنفيذ الأعمى لنموذج التنمية الغربي لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من التدهور في باكستان، عامًا بعد عام، وعقدًا بعد عقد، رغم أن بعض المنفذين يهزون رؤوسهم يأسًا بعد سنوات من تطبيق توصيات الخبراء والمسؤولين الغربيين حرفيًا، بينما تستمر أوضاع بلادهم في التدهور.
هذه هي الحقيقة المؤسفة لصناعة باكستان، وما يترتب على الفشل في إنتاج الآلات والمحركات والمركبات والشرائح الإلكترونية، إنه يؤدي إلى فاتورة استيراد تظل دائمًا أكبر بكثير من الدخل المتأتي من الصادرات، فتُضاف القروض لتغطية الفجوة، ويترتب على ذلك ارتفاع الضرائب لمجاراة تنامي مدفوعات الفوائد. وفي تقرير البلد رقم 26/101 الصادر في 14 مايو 2026، استهدف صندوق النقد الدولي إيرادات الحكومة الفيدرالية في باكستان بمبلغ 17,145 مليار روبية للسنة 2026-2027، بينما كانت الإيرادات 619 مليار روبية في 2001-2002.
أما الأحكام الشرعية التي ستُطبَّق قريبًا في دولة الخلافة، بإذن الله سبحانه وتعالى، فهي تقدّم معالجة كاملة لهذه المشكلة مجتمعة، وهذه الأحكام تمثل المخرج الوحيد للمسلمين من بؤس الاستعمار الاقتصادي. وهذه الأحكام ليست مجرد أفكار جميلة، أو خيارات بين مجموعة من الخيارات، أو نماذج بديلة بين نماذج عديدة؛ بل هي أوامر ونواهٍ من خالق البشرية كلها، الله سبحانه وتعالى، تنبغي طاعتها وتنفيذها، باستخدام ما تولده عقيدة الإيمان من عبقرية وحيوية وعزيمة في النفوس، وبمجموعها تقدم حلًا كاملًا لغياب صناعة الآلات، بما في ذلك تمويلها.
أولا: إنشاء صناعة الآلات:
إنه واجب شرعي من زاوية المحافظة على التفوق المادي على الأعداء الظاهرين والمحتملين والمستترين. قال الله سبحانه وتعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. وفي الواقع، فإن قمة الصناعة هي الصناعة العسكرية، ومنها تنطلق ابتكارات تدفع بالصناعة العادية إلى الأمام. كما أن إنشاء صناعة الآلات واجب شرعي من زاوية دفع ضرر التبعية لأعداء الإسلام والمسلمين. فقد قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وقال ﷺ: «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ». لقد عانى العالم الإسلامي كله من الضرر بسبب الاعتماد على صناعة الآلات التابعة للقوى الأجنبية. وهذه القوى الأجنبية تهيمن على أسواق الأمة ومواردها. وستركّز الخلافة الراشدة فورًا على بناء صناعة آلات قوية. وبالاعتماد على الإيرادات الشرعية، وإنهاء النفقات التي حرمتها الشريعة، ستجذب الخلافة أفضل العقول في العالم، وكثير منها من المسلمين، لإنشاء صناعة آلات بسرعة عالية.
ثانيا: عدم دفع الفوائد الربوية المتراكمة على الديون لأنها ربا:
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. والواقع الحالي أن معظم إيرادات دول المسلمين تُنفق على خدمة الدين، أي دفع الفوائد الربوية والغرامات على القروض. ويظهر هذا الجانب في غاية الوضوح، حتى إن بنك الدولة الباكستاني يقسم الإنفاق إلى إنفاق على الفوائد الربوية وإنفاق غير مرتبط بالفوائد الربوية. ففي السنة المالية 2025، بلغ إجمالي الإنفاق 21.5 مليار روبية، بينما بلغت مدفوعات الفائدة الربوية الفيدرالية منها 15.7 مليار روبية. وقد ارتفعت مدفوعات الفائدة الربوية من 1.99 مليار دولار في السنة المالية 2022 إلى 3.59مليار دولار في السنة المالية 2025، أي بزيادة قدرها 80.4%. ومع ذلك، يستمر الدين الخارجي والداخلي لباكستان في الازدياد عامًا بعد عام، وعقدًا بعد عقد.
إن الربا جرح ينزف بغزارة، ويضعف جسد الاقتصاد حتى يصبح غير قادر على القيام بالعمل الضروري للإصلاح الجذري والاستقلال الاقتصادي.
ثالثا:سداد الدَّين دون دفع الفوائد الربوية:
الطريقة الصحيحة لإنهاء الدين هي تحميل المسؤولية للحكام والموظفين الفاسدين الذين شاركوا في حكم البلاد خلال الفترة التي أُلقيت فيها باكستان في قاع دين الربا اللامتناهي. بينما في الشريعة الإسلامية، فقد كان النبي ﷺ يحاسب الولاة والعمال على دخلهم، وقال في هذا الشأن: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدُ، فَهُوَ غُلُولٌ». ويُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يحصي أموال العمال قبل تعيينهم وبعد انتهاء ولايتهم، ويأخذ منهم ما وُجد لديهم من زيادة غير مبررة، كما كان يحسب ممتلكات بعض الولاة، ويأخذ جزءًا من أموال آخرين بسبب الشك في كيفية اكتسابهم لتلك الثروة، كاستغلال المنصب والنفوذ، وكان يستولي على هذه الأموال ويضعها في بيت المال.
رابعا: رفض القروض الجديدة ذات الشروط التي تضر بالأمة حتى لو كانت بدون ربا:
إن القروض تأتي مصحوبة بشروط قائمة على نموذج التنمية الاستعماري. وهذا يحافظ على التبعية لصناعة الآلات التابعة للقوى الأجنبية، ويفتح الأبواب أمام الهيمنة الأجنبية على المواد الخام وأسواق المسلمين. قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». ولذلك فإن الخلافة لن تأخذ قروضًا من نادي لندن للبنوك التجارية أو نادي باريس للدائنين الحكوميين، وبذلك تنهي الدورة المدمرة للتبعية.
خامسا: الاعتماد على الإيرادات الشرعية:
ومنها: الغنائم، والزكاة، والخراج على الأراضي الزراعية، والخمس في الركاز، وممتلكات الدولة بما فيها صناعة الآلات التي تتولاها الدولة، وكذلك الرسوم الجمركية المأخوذة من الكفار، وعوائد الملكيات العامة كالمعادن ومصادر الطاقة، وأموال التركات التي لا وارث لها، والأموال المستردة من الحكام وموظفي الدولة الفاسدين، وأموال الغرامات، وأموال المرتدين، والضرائب المؤقتة على الأغنياء عند الحاجة. إضافة إلى ذلك، ستشرف الخلافة على توسيع الأسواق الخارجية لمنتجات الزراعة والصناعة مع كثير من دول العالم التي ليست في حالة حرب فعلية مع الإسلام والمسلمين. كما يمكن للخلافة أن تتواصل مع دول أجنبية غير محاربة، ومع الشركات الكبرى، للحصول على تسهيلات ائتمانية، ويعني ذلك استيراد الآلات والأدوات والمواد اللازمة لمشروعات الإنتاج بسعر مؤجل أعلى متفق عليه، لا بعقد ربوي.
سادسا: تخصيص أموال ضخمة من الملكية العامة لقطاع الطاقة والمعادن:
قال رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ». وقد روى أنس رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أضاف: «وَثَمَنُهُ حَرَامٌ». ولفظ “النار” كناية عن الوقود، ويشمل هنا جميع أشكال الطاقة المستخدمة وقودًا في الصناعة والآلات والمصانع، وكذلك المصانع التي تستخدم الغاز والطاقة الشمسية وقودًا. وهذه كلها تدخل في باب الملكية العامة.وقد عاد النبي ﷺ عن تمليك أبيض بن حمّال أرضًا تحتوي على ملح، لأنها كانت تحتوي على كمية كبيرة من المعادن. ويشمل هذا كل المعادن، سواء كانت صلبة كالنحاس والحديد والذهب أو العناصر الأرضية النادرة، ويشمل السائلة مثل النفط، أو الغازية مثل الغاز الطبيعي. وهذه ليست ملكية خاصة تُؤخذ أرباحها لصالح مُلّاك الشركات، كما أنها ليست ملكية دولة تُنفق عوائدها الدولة كيف تشاء. بل هي ملكية عامة تديرها دولة الخلافة وحدها وتشرف على استخراجها وبيعها وتوزيعها، وتنفق أرباحها على حاجات جماعة المسلمين. كما أن توحيد بلاد المسلمين تحت الخلافة سيسمح بتجميع الموارد، وإنهاء الواردات المكلفة بين البلدان الإسلامية، مما يولد دافعًا قويًا لثورة صناعية على مستوى الأمة كلها.
سابعا: إعادة التجارة الخارجية على أساس الذهب والفضة، وإنهاء الهيمنة الظالمة للدولار:
حدد النبي ﷺ الذهب والفضة بوصفهما وسيلة النقد، وجعلَهما المعيار الوحيد لقياس السلع وأجور الأعمال، وكانت جميع المعاملات تُبنى على هذا المعيار، وكانت وحداته الأوقية والدرهم والدانق (1/8 من الدرهم) والقيراط والمثقال والدينار. وكانت هذه جميعها معروفة في عهد النبي ﷺ، واستعملها الناس، وثبت يقينًا أن النبي ﷺ أقرّ استخدامها، وكانت التجارة والدية والمهر تُقاس بالذهب والفضة باعتبارهما المعيار النقدي، ويؤكد ذلك الأحاديث الصحيحة. كما أن وزن هذه المقادير كان موضوعًا على نظام خاص بأهل مكة، فقال النبي ﷺ: «الوزن وزن أهل مكة». وبالمقارنة مع وحدات النقد في الإسلام، فإن الوحدات المعاصرة هي: 1 دينار = 4.25 غرام من الذهب، و1 درهم = 2.975 غرام من الفضة. وهكذا ربطت أحكام الشريعة النظام النقدي بالذهب والفضة.
وفي ظل هذا النظام النقدي، لم تكن هناك أزمة مالية كما هو الحال في الممارسة الحالية، حيث تُربط عملة بلد بعملة بلد آخر. وقد أصبح الدولار العملة المهيمنة على العالم منذ أن أزيل الذهب من كونه المعيار النقدي الوحيد، ثم جُعل مع الدولار الأمريكي معيارًا في نظام بريتون وودز في نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم استُبدل به الدولار وحده في سبعينيات القرن العشرين. ونتيجة لذلك، فإن أي اهتزاز في الاقتصاد الأمريكي يُحدث ضربة قاتلة لاقتصاد جميع الدول الأخر. وذلك لأن معظم احتياطي النقد لهذه الدول، إن لم يكن كله، مغطى بالدولار الورقي، الذي لا تتجاوز قيمته الذاتية غالبًا قيمة الورق المطبوعة عليه! وستنهي الخلافة ظلم هيمنة الدولار، حيث تُضعف العملات المحلية للحفاظ على قيمة الدولار الأمريكي.
وتذكيرًا مؤلمًا بحجم المشكلة، فقد كان سعر صرف الروبية الباكستانية مقابل الدولار الأمريكي في 29 مايو 2026 هو 278.50، بينما كان في العقد الأول من الألفية نحو 60 روبية للدولار. وستقود الخلافة العالم إلى العودة إلى معيار الذهب في التجارة الدولية، مع الحفاظ على معيار الذهب والفضة الثنائي الأكثر استقرارًا أساسًا لعملتها.
في كل ميزانية، يتحدث حكام باكستان عن تخفيف الفقر والتنمية والحلول السحرية وكسر وعاء المتسول والخروج من فخ الديون. غير أن أفعالهم تؤدي إلى زيادة الفقر والديون والهيمنة الأجنبية على ثرواتنا. وباكستان ليست استثناءً داخل العالم الإسلامي، بل الجانب التراجيدي الإضافي في حالة باكستان أنها من أقوى دول العالم من حيث القوة العسكرية والقدرات الزراعية والعمالة البشرية ومصادر الطاقة والكنوز المعدنية. وبدلًا من قيادة المسلمين بعيدًا من الضرر، يستفيد حكام باكستان مباشرة من الاستعمار الاقتصادي القائم. فهم يجمعون ثروات هائلة من خلال الفساد وامتلاك ما ينبغي أن يكون ملكًا للدولة وملكًا عامًا. وهم لن يأتوا بتغيير أبدًا، لأنهم مستفيدون من الوضع القائم. ولا يبالون بما يلحق بالبلاد من ضرر، فكيف يُتوقع منهم أن يقدموا حلًا؟ بل إنهم يصفون هجرة العقول بأنها “كسب للعقول”، لأنهم لا يرون أبعد من التحويلات التي يرسلها أنبغ أبنائنا وبناتنا من أركان الدنيا الأربعة إلى أقاربهم المتألمين في باكستان. والحق أنهم لن يأتوا أبدًا بما نستحقه من ديننا العظيم، دين الإسلام.
إن التغيير يجب أن يكون بأيدينا، من خلال ديننا، ويجب علينا جميعًا أن نسعى للتغيير على أساس أحكام الشريعة. نحن بحاجة إلى نظام جديد، ودستور جديد، وقيادة جديدة. ويجب أن نسعى لإعادة الدستور الشرعي، دستور الخلافة الراشدة الثانية. فالتغيير يأتي عبر حراكنا مع قيادة. والقيادة المؤهلة هي قيادة أولئك الذين أمضوا عقودًا في دراسة واقع الأنظمة الحالية، وهم على دراية تامة بعيوبها، ومتمرسون بأحكام الشريعة في رعاية شؤوننا. والقيادة القادرة أمامنا هي قيادة حزب التحرير، فقد أعدت أجيالًا من السياسيين الشرعيين الأكفياء في أنحاء العالم الإسلامي، بل وحتى في تجمعات المسلمين خارج العالم الإسلامي.ولم يبقَ إلا أن نضع أيدينا في أيديهم. قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
1448-01-28