إلى أين تقود إدارة ترامب الولايات المتحدة؟ (2)
8 ساعات مضت
المقالات
19 زيارة
عصام الشيخ غانم
إذا كانت المشكلات الكبرى التي عددناها في المقال السابق (1) مثل صعود الصين ومخاطر الإسلام هي مشكلات ملموسة وتظهر فيها السياسات الأمريكية على شكل رسوم جمركية ودعم الدولة لتنافسية الشركات مثل شركات الرقائق الإلكترونية، ومثل غزو أفغانستان أو الحرب على إيران أو دعوة الحكام للتطبيع مع كيان يهود وغير ذلك كثير، فإن حقيقة المشكلة الرأسمالية أو المعضلة الكبرى في أمريكا والتي بُيّنت بعض وجوهها ليست البتة موضع بحث عند أي إدارة أمريكية، ناهيك عن إدارة ترامب والذي هو بنفسه من رأسماليي أمريكا، ومتهم باستغلال السلطة لجني المال، مثل تصريحاته المتقلبة بخصوص الحرب مع إيران وارتباطها بعقود نفط في البورصة لا يقدم على عقدها إلا من تُسرَّب إليه نوايا الرئيس، بل وليست موضع بحث عند الشعب الأمريكي الغارق في التضليل من حكومته ومن الشركات الكبرى، وإن كان الشعب يضيق به الحال أحياناً فيطلق صيحات تتحول إلى ما يشبه الحركة (الحزب) مثل “احتلوا وول ستريت”، تلك الصيحات التي سرعان ما تخمدها الدولة وتخمدها الشركات وتطفئ جذوتها، أي إن إدارة ترامب جاءت لحل مشكلات أمريكا دون أي نظرة تصحيحية في النظام الرأسمالي نفسه، ولا يرقى إلى درجة التصحيح في النظام ما تتبناه الإدارة من فكرة إعادة الصناعة من الخارج أو غيرها، لأن هذا ومثله معه إنما يراد من ورائه إيجاد فرص عمل وتصنيع محلي للاستغناء عن الصين وافتراض ذلك أحد أدوات مكافحة اقتصاد الصين، أي حرمانها من الأرباح من السوق الأمريكية، وهذا كله يجعل إدارة ترامب تسير بشكل سقيم لحل مشكلات أمريكا الدولية، وهي في ذلك كالطبيب المريض والجاهل الذي يسعى لتطبيب عائلته من أمراض أخرى دون أن يدرك بأن مرضه نفسه أخطر من تلك الأمراض التي يسعى لعلاجها.
وإذا كان الرئيس ترامب يدرك أن مشكلة أمريكا في مواردها المتدهورة فإنه يريد أن يجلب لها هذه الموارد من خلال الابتزاز الدولي، وقد بدأه في إدارته الأولى حين دفع السعودية لابتزاز قطر، فضخت الأخيرة أموالها في الاقتصاد الأمريكي لإرضاء ترامب وتخفيف الحصار السعودي، وهذا ما كان، ويريد جلبه من السعودية التي وعدته بعقود سلاح بمئات المليارات خلال ولايته الأولى، ولم تستطع الوفاء لضخامة تلك المبالغ، ثم وعدته بترليون دولار خلال ولايته الثانية، وكذلك دولة الإمارات التي أعلنت استثمارات بقيمة 1.4 ترليون دولار في الذكاء الصناعي، أي في الاقتصاد الأمريكي، وهي لا تستطيع صنع إبرة، بل يوجه حكامها أموالهم إلى رفاهية الفنادق والتوافه من الأمور وإلى اشتراء السلاح المقدم لخدمة نفوذ الإنجليز في اليمن والسودان وغيرها، أي إن هذه الإدارة بقيادة الرئيس ترامب تريد جني المال من دول النفط الخليجية، ويريد جنيه من مشاريع دولية يستفز غيره للاستثمار فيها ويجني هو أرباحها، منها مشروع جعل غزة منتجعا سياحيا، والسيطرة على إدارة قناة بنما، ومطالبه بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك لما فيها من معادن نادرة، ودفع السعودية لضرب عملاء الإنجليز جنوبي اليمن والسيطرة على حضرموت ومعادنها النادرة، ومطالبة أوكرانيا بتوقيع عقود تأخذ بموجبها أمريكا خاماتها المعدنية مقابل السلاح الذي وردته إدارة بايدن، والمطالبة بسلاح أمريكا الذي أجبرت على تركه خلال انسحابها من أفغانستان، ومطالبة كابل بإعادة السيطرة الأمريكية على قاعدة باغرام التي استثمرت فيها أمريكا إبان الاحتلال، ومطالبة ترامب بالسيطرة المشتركة مع إيران على مضيق هرمز وجني الرسوم منه، وإشعال الحرب على إيران لجعلها دولة تابعة مثل السعودية وتسهيل سيطرة شركات النفط والغاز الأمريكية على نفط إيران وغازها، وهجومه على فنزويلا واعتقال رئيسها وإعلانه السيطرة على نفطها، وقبل ذلك وبعده مطالبته دول الخليج ودول العالم بدفع الأموال بدل الحماية العسكرية الأمريكية، هذه هي السياسات التي يفكر الرئيس ترامب بجعلها روافد جديدة تصب المال في شرايين الدولة في أمريكا، فتمتلك ما تريد وما يكفيها للإنفاق على دورها العالمي.
وفي الأثناء ترى إدارة ترامب بأن أمريكا لا تريد أن تتدخل في كل زاوية في العالم، بل تنتقي من الزوايا ما يفيدها التدخل فيها.من ذلكأنها تنتقي فنزويلا فتعتقل رئيسها، وتنتقي نيجيريا فتقصفها بذريعة اضطهاد المسلمين للمسيحيين، وتنتقي الشراكات والاتفاقيات مع دول الخليج، وتحارب إيران، وهذه المجموعة من البلدان لا يجمعها في ذهن إدارة ترامب إلا النفط والسيطرة على الطاقة، وهذه السيطرة مسطورة في إستراتيجية الأمن القومي التي تبنّتها إدارة ترامب، والتي تعي بأن السيطرة على الطاقة تجعلها تتحكم بمصائر الدول المنافسة والدول الأخر غير المنافسة فتخضعها للإرادة الأمريكية.
وتريد أمريكا حرمان خصومها من المنافع الاقتصادية، فالرسوم الجمركية على البضائع الصينية والأوروبية تضعف هذه الدول التي تجني مئات المليارات على شكل أرباح من السوق الأمريكية، وهي جزء من جهود أمريكا لمكافحة صعود الصين، والرسوم الجمركية الجنونية التي فرضها ترامب على معظم دول العالم قد أربكت الاقتصادات الدولية كافة. ولتشجيع الصادرات الأمريكية فإن الرئيس ترامب يطالب بنزع استقلال البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واتهم محافظه السابق جيروم باول بالغباء ودفعه للاستقالة المبكرة لأنه لا يتوافق مع توجه الرئيس لتخفيض أسعار الفائدة (الربا) في سياسة إضعاف الدولار لتشجيع الصادرات الأمريكية للخارج وتخفيض جاذبية السوق الأمريكية للبضائع من الخارج.
وفي أوروبا استمر الرئيس ترامب في سياسة بايدن التي قطعت عن أوروبا شرايين الطاقة الروسية الرخيصة وأخذت تربطها بالغاز الأمريكي المسال، وهو سلعة باهظة الثمن، واحتجت أوروبا مراراً على أسعار الغاز الأمريكي، ولكنها مجبورة على شرائه، وهذا يضعف اقتصادات الدول الأوروبية التي تندفع نحو الركود على وقع أسعار الطاقة العالية بعد حرب أوكرانيا. وبعد إشعال الرئيس ترامب الحرب على إيران يقوم بتوجيه توبيخاته المستمرة لأوروبا لدفعها لمشاركته الحرب على إيران، ولما أغلقت إيران مضيق هرمز فرضت إدارة ترامب حصارا على الموانئ الإيرانية لمنع إيران من تصدير نفطها، فزاد ذلك من أزمة الطاقة العالمية، ويقول ترامب تصريحاً لا تلميحاً إن أمريكا لا تستورد نفطها من الخليج وهي لا تتأثر بإغلاق المضيق، وتدعو أوروبا والصين للانخراط تحت قيادتها والمشاركة في حرب إيران لفتح المضيق، بمعنى أنها قامت برفع أسعار النفط والغاز عالمياً بسبب حربها على إيران، وفي الوقت نفسه فإنها لا تعارض من حيث المبدأ مطالب إيران بفرض رسوم عبور في المضيق إنما تريد أن تكون لها من هذه الرسوم حصة كبرى، الأمر الذي لم توافق عليه إيران بعد.
ومع روسيا كان الرئيس الأمريكي يقول إنه سيوقف الحرب في أوكرانيا خلال أربع وعشرين ساعة، واجتمع مع الرئيس الروسي في أنكوراج-ألاسكا في آب/أغسطس 2025 واتفقا على أمور يلمح لها الرئيس بوتين دائماً بـ”تفاهمات أنكوراج مع ترامب”، وأراد ترامب فرضها على أوكرانيا، ومنها ضم شرقها وإلحاقه بروسيا، وطالب أوكرانيا بمنح أمريكا كل الامتيازات الاقتصادية وأرسل وزيره إلى كييف لتوقيع اتفاق لم تدرسه أوكرانيا بعد، وغضب لأن رئيس أوكرانيا لم يوقعه على الفور، وظل يغازل روسيا تارةً، ويفرض عليها المزيد من العقوبات تارةً أخرى، وهو يريدها أن تستجيب له بسرعة فيعطيها المغانم الأرضية في أوكرانيا ويريد منها أن تنفصل عن الصين، بل وتذهب معه في سياساته المناهضة للصين.
أما في المنطقة الإسلامية، فإنه يغازل حكام النفط لأخذ أموالهم، ويطلب منهم ومن غيرهم -حكام الأردن والعراق ومصر وباكستان وأذربيجان- التنسيق مع كيان يهود لردع إيران حتى تقبل بـ”الاستسلام غير المشروط”للقوة الأمريكية، ويطالب كل البلدان الإسلامية بالتطبيع مع كيان يهود وتقديم التسهيلات للكيان والتنسيق معه لضرب أي بؤرة إسلامية في المنطقة، فهو لا يريد أن تبقى في المنطقة الإسلامية قوة معتبرة يمكن أن تسقط بأيدٍ إسلامية مستقبلاً، فلا يريد أي تخصيب لليورانيوم في إيران، ولا يريد أي صناعة ذاتية للصواريخ، ويريد للبنان أن يتفاوض مع كيان يهود وهو يقصف لبنان، بل ويقتل أفراد الجيش اللبناني، ويطالب نظام أحمد الشرع في سوريا بأن يبقي بلاده ممراً لطائرات كيان يهود ضد إيران ويطالبه بالمشاركة في الحرب على جانبها اللبناني، ويريد إيكاله مهمة ضرب حزب إيران في لبنان بدل كيان يهود، ولا يطيق أي مظهر إسلامي أو تسمية أو صبغة إسلامية، وأعلن حركة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية ويريد من جيوش الحكام أن تكون رهن إشارته لحرب أي خطر إسلامي، وقد تخلى عن التنظيم الكردي “قسد”، وأعلنت أمريكا على لسان مبعوثها “توم براك”أن دور هذا التنظيم قد انتهى وأن أمريكا توكل المهمة لأحمد الشرع نفسه.
وفي أمريكا نفسها أخذت شرطة الهجرة تنفذ سياسه ترامب بقسوةٍ شديدة أودت بحياة أمريكيين غير مهاجرين، وخلعت هيئة الكفاءة الحكومية الجديدة التي أسسها عشرات آلاف المديرين والموظفين الحكوميين من مناصبهم لأنهم لا يوالون ترامب، وقام بتغيير اسم وزارة الدفاع “البنتاغون”وأسماها وزارة الحرب لإرهاب دول العالم وإخافتها، وطالب بميزانية مضاعفة لوزارة الحرب، وقام وزير حربه “هيغسيت”بخلع ما يقارب 40% من أعلى الرتب العسكرية في أمريكا، وهو يهاجم الديمقراطيين بقسوة شديدة ولا يترك مناسبة إلا ويهاجم فيها رؤساء سابقين من الحزب الديمقراطي خاصة الرئيسين بايدن وأوباما، ويمكن القول إن أمريكا تعيش حالة من الصدمة بسبب عمق التغييرات الداخلية في سياسة الهجرة وسياسة مناهضة خصوم ترامب خاصةً الديمقراطيين، بل ووسائل الإعلام التي يستمر ترامب بنعتها بالوسائل المزيفة، بل إنه يعمل على فرض هيبة شخصية له في دوائر الحكم، فينتقد كل من يخالفه من الحزب الجمهوري ويصمه بالخيانة ويطرد من المسؤولين الجمهوريين الذين عينهم بنفسه، فطرد وزيرة الداخلية كريستي نيوم ووزيرة العدل بام بوندي واستقالت مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد على وقع انتقاداته خاصة بعد تقريرها بأن البرنامج النووي الإيراني لم يدمر، واستقال مستشاره للأمن القومي ميخائيل وولتز. ويهاجم أي جمهوري ينتقده، فهاجم جون بولتون مستشاره في ولايته الأولى للأمن القومي والإعلامي تاكر كارلسون المؤثر للغاية في حركة ترامب “ماغا”أو “أمريكا أولاً”.
وبالتدقيق نجد أن إدارة ترامب قد اندفعت بزخم كبير لتحقيق أهدافها داخل أمريكا وحول العالم، على الرغم من أن ذلك الزخم قد أخذ طريقه نحو الانحدار بسبب غلاء المعيشة (التضخم) الذي يجتاح أمريكا اليوم، وبسبب تناقضات إدارة ترامب، فهو يصرح بالشيء ونقيضه في نفس الساعة، ويهاجم رؤساء أمريكا الذين قاموا بتوريطها في حروب عميقة في المنطقة الإسلامية ثم يقوم بإشعال الحرب على إيران، ويتهمه بعض الأمريكيين بالخضوع لرئيس وزراء كيان يهود الذي يجره ليحارب حروبه، وتقوم دوائر الحكم في أمريكا بوظائفها تحت مخاوف الفصل من الوظيفة إن اختل الولاء للرئيس ترامب، ويسمعه أقرب مسؤوليه ما يحب أن يسمع مخافة الانتقاد، فهو يجعل لنفسه منصباً مقدساً، ويصور نفسه مع صور المسيح عليه السلام، ويمن على أمريكا أنه يحكمها، ويعلي من قيمته الذاتية ويعلن أنه فاق الآباء المؤسسين لأمريكا في إنجازاته في مدة قصيرة بعد عودته للحكم في 2025.
وقبل الانتقال لمشاهدة الآثار المترتبة حتماً أو غالباً على سياسة إدارة ترامب على المستوى الدولي يجب في البداية تأكيد بعض النقاط المهمة في واقع السياسة الأمريكية، فأمريكا كانت تهيمن على كل أجزاء العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهذه الهيمنة وإن كانت مغرية لصاحبها فإنها بحاجة إلى الكثير من الموارد، فكانت أمريكا تتبجح بأنها قادرة على خوض ثلاث حروب في آنٍ واحد، إلا أنها عجزت عن خوض الاثنتين، في العراق وأفغانستان، وكانت تقوم بتبريد أفغانستان لسنوات للتفرغ للعراق، وما أن خرجت من العراق حتى كانت قد أصابتها العقدة العراقية التي جددت تاريخ العقدة الفيتنامية، وتمثلت آثار العقدة العراقية بالعزوف عن خوض حروب كبيرة جديدة، ثم تحت وطأة هذه العقدة قامت بتنفيذ انسحاب مذل من أفغانستان سنة 2021، أي إن مواردها العسكرية والمالية لم تمكنها من خوض حربين بجدارة في آنٍ واحد، وما أن خرجت من الحربين حتى كانت ديونها ترهق كاهلها، واندفعت تفكر في البدائل.
ولما جاءت إدارة ترامب هذه وأعلنت في إستراتيجيتها للأمن القومي أنها لن تتدخل في كل زوايا العالم وأنها ستنتقي البلدان التي تتدخل فيها، فكان هذا توجهاً واضحاً للتخلي عن بعض البلدان وإخراجها طوعاً من دائرة الهيمنة الأمريكية، بل وخطوةً أولى نحو الانسحاب والعزلة، ولما شنت عملية خاطفة في فنزويلا واعتقلت رئيسها وأخرجت شركات الصين من إدارة قناة بنما وأخذت تهدد باختطاف رئيس كوبا وأعلنت أن النصف الغربي يقع على رأس أولوياتها فقد أصبحت طريقها نحو العزلة أكثر وضوحاً، أي إنها تسعى لتحصين حصونها القريبة.
ومن ناحية ثانية في الواقع الجديد للسياسة الأمريكية، فإن الانقسام الأمريكي يعيق توجيه الموارد الأمريكية لإنجاح سياستها الخارجية، ويقول الرئيس ترامب بشأن حرب إيران إن الديمقراطيين لا يتمنون انتصار أمريكا في الحرب على إيران مخافة أن يحسب هذا الانتصار لترامب، وقد كان نفوذ الرئيس ترامب وجماعته على السعودية يعيق سياسة إدارة بايدن معها، وهذا الانقسام الأمريكي قد جعل كل شق من شقي المعادلة الأمريكية يعيق الشق الآخر من خلال النفوذ الدولي لذلك الشق، فترى الأوروبيين يتطلعون لعودة الديمقراطيين للحكم في أمريكا، بينما روسيا سعيدة بقدوم الجمهوريين وإدارة ترامب، ونفس الأمر بالنسبة لعملاء أمريكا وأتباعها في المنطقة الإسلامية، فكما أن السعودية اليوم ومعها تركيا-أردوغان وأحزاب اليمين الحاكمة في كيان يهود ينتعشون في ظل إدارة ترامب الذي يغازلهم علناً فإن النظام المصري يتضايق من حكم الجمهوريين الذين يهمشونه، وهذا يعني أن نفوذ أمريكا الدولي أخذ ينقسم إلى نفوذين، ديمقراطي وجمهوري، وهذا يضعف السياسة الأمريكية ويضعف أي إنجاز تحلم به إدارة ترامب.
ومن ناحية ثالثة، فإن قوة أمريكا الداخلية والتي تظهر خارجياً بقوة سياسييها وجنرالاتها تضعفها حملة الإقصاء التي تقوم بها إدارة ترامب لتنظيف أجهزة الدولة من الموالين للديمقراطيين فتضعف قوة أمريكا في الخارج، وذلك عندما تفقد الخبرات السياسية والعسكرية لكبار مسؤوليها. والمظهر الدكتاتوري للرئيس ترامب ورغبته بأن يسبح بحمده كافة أتباعه وموظفيه يضعف أيضاً قوة أمريكا في الخارج عندما يطالب ترامب الجميع بأن يكونوا صفاً واحداً متماسكاً خلف تصريحات الرئيس، وكثيرها تصريحات متناقضة، حتى تضطر الناطقة باسم البيت الأبيض للقول إن هذا هو الرئيس الذي انتخبه الشعب الأمريكي. ويريد ترامب أن يخضع الدولة وإستراتيجيها لأهوائه وجنون العظمة لديه، وهو يريد أن يكون فوق القانون، ويريد لنفسه ولاية ثالثة، ويجعل أقرباءه وأنسباءه وأحباءه على رأس سلم المناصب في أمريكا،وأبرزهم كوشنر وبرّاك وويتكوف، وهؤلاء تنقصهم الخبرة في المهام التي أوكلوا بها. وبوصفه رئيساً قادماً من قطاع التجارة فإنه يرى الثراء والمال ميزاناً مقدماً على غيره لتقويم الرجال داخل أمريكا وخارجها، وهذا ما جعله يتودد لكبار الأثرياء، ومنهم إيلون ماسك الذي جعله على رأس هيئة الكفاءة الحكومية، فقام هذا الرجل بعزل موظفين كبار ووضع أزلامه مكانهم، ثم أخذ إيلون ماسك يهاجم سياسات ترامب الضريبية بشكل شبه علني، وتحدثت الأخبار عن صراع بينهما قبل أن يغادر “ماسك”هذه الهيئة بمحض إرادته، ولم يستطع ترامب أن يتعامل في هذه الأزمة مع الرجل تعامله المماثل مع منتقديه، لأن إيلون ماسك أكثر ثراءً من ترامب فيشعر ترامب أمامه بالنقص، ولذلك تركه يفعل بالدولة ما يريد لمدة قاربت العام حتى أصبح أثرىأثرياء العالم برأسمال فلكي بلغ ترليون دولار، وسجل نفسه أولَ تريليونير في العالم.
وهذا الواقع الجديد في السياسة الأمريكية يعني أن إدارة ترامب تنطلق لتحقيق أهدافها دولياً وهي إدارة ضعيفة، ولكن زخم تحركاته لا يزال يغطي هذا الضعف، وعندما يزول الزخم فإن هذا الضعف سيكون ظاهراً كالشمس.
ينطلق الرئيس الأمريكي ترامب في قيادة سياسة بلاده الخارجية بانفلات لا يعرف القانون، ولا يتقيد بأي أعراف سياسية أو ديبلوماسية. فعندما طالب دول الناتو بالوفاء بالتزاماتها المالية وزيادة إنفاقها العسكري هدد الدول التي لا تفي بالتزاماتها بالرئيس الروسي بوتين، وهذا انفلات من قاعدة أن الرئيس الروسي عدو لجميع دول الناتو. ووبخ قادة أوروبا وبشكل متكرر، وفتح المفاوضات مع روسيا بشأن أوكرانيا دونما اكتراث بأوروبا، مع أن أمريكا جاءت للمسألة الأوروبية من باب دعم حلفائها الأوروبيين ومنع روسيا من قضم أوروبا من الشرق، وكأن عنجهية الرئيس ترامب تدفعه للاعتقاد بأن أوروبا الضعيفة والمعتمدة على المظلة العسكرية الأمريكية يجب في النهاية أن تسير وتخضع لإرادة واشنطن، لكن الدول الأوروبية لم تخضع لهذه الإرادة وأخذت تعارض واشنطن علناً وترفض مسعاها لحل الأزمة الأوكرانية، وأخذت تدفع برئيس أوكرانيا لمعارضة واشنطن، وفي النهاية اعترت أوكرانيا -كما اعترت أوروبا- الكثيرُ من الشكوك في سياسة إدارة ترامب، ورفضت أوكرانيا -كما رفضت أوروبا- خطط أمريكا لحل المشكلة الأوكرانية، بل وظهرت أوكرانيا دولةً أوروبية، وهاجمها ترامب بأنها لا تعترف لأمريكا بجميلها المتمثل بالدعم العسكري والمالي، وزادت الدول الأوروبية من معارضتها لأمريكا بعد إشعال الأخيرة للحرب مع إيران، فظهرت إدارة ترامب وكأنها تسببت بخسارة أمريكا لحلفاء تقليديين لها.
صحيح أن إدارة ترامب كانت تقدم الحلول في أوكرانيا -وهي حلول لمصلحة روسيالأن عين أمريكا كانت تركز على فصل روسيا عن الصين، وقد توهم ترامب بأن هذا ممكن التحقق بسرعة-إلا أن روسيا التي هللت في البداية لجهود إدارة ترامب في أوكرانيا وهللت لتهميش دول أوروبا، أي ايجاد شق بين الحلفاء الغربيين، أدركت بعد ذلك أنه لا قيمة للحل الأمريكي في أوكرانيا إن استمرت الدول الأوروبية بدعم الجيش الأوكراني ضدها، وأخذت تطلب من ترامب ترتيب حل شامل في أوكرانيا. ولما أرادت إدارة ترامب إرضاء الدول الأوروبية نوعاً ما وأعلنت مطالب على الجانب الروسي -منها ضرورة وقف بوتين للحرب- رفضت روسيا هذه المطالب وأعلن ترامب فرض عقوبات جديدة على روسيا، وبهذا فإن إدارة ترامب تكون قد فشلت في كسب روسيا بعد أن فقدت الكثير في أوروبا وأوكرانيا. ومع أن الحرب في أوكرانيا لمّا تنتهِ فإن الثابت هو أن أمريكا تخسر على الجانبين؛ فعلى الجانب الأوروبي تعلن الدول الأوروبية حاجتها الماسة لبناء قوة منفصلة عن القوة الأمريكية، وعلى الجانب الروسي فإن الرئيس بوتين قد زار بكين بعد أيام من مغادرة الرئيس ترامب لها في مؤشر على أن روسيا تريد أن تقول للصين إن عهد الشراكة بين البلدين لا يزال مستمراً، أي إنها لم تخطُ أي خطوة للانفصال عن الصين.
ويضاف إلى ما سبق أن الرئيس الأمريكي ينتهج طريقاً يدير ظهره خلاله لكل الأعراف السياسية، ففضلاً عن إساءته لقادة الدول، خاصة حلفاء بلاده، فإنه يريد سلخ غرينلاند عن حليفته الدنمارك وضمها لأمريكا، ويعلن أن كندا هي الولاية 51 لأمريكا، ويختطف رئيس دولة مستقلة في فنزويلا، ويدعم كيان يهود في جرائم يندى لها جبين الإنسانية في غزة ولبنان وغيرهما، ويسحب بلاده من اتفاقيات المناخ ومنظمات دولية أخر، وتفرض أمريكا عقوبات على محكمة الجنايات الدولية بسبب قرارها اعتقال نتنياهو، وهو يقوم بذلك بكل صلافة ووقاحة، ما يجعل ما يسمى بالنظام الدولي في حالة اهتزاز كبير، ويعيد إلى أذهان الدول شريعة الغاب التي يأكل فيها القوي الضعيف، وينزع من يد أمريكا قوتها المعنوية أو ما يسمى بالقوة الناعمة حين كانت تتظاهر بأنها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، ذلك المظهر الذي مكنها من تجنيد ما يزيد عن ثلاثين دولة خلفها لإخراج العراق من الكويت سنة 1991 وبعد ذلك حربها على الإسلام التي أسمتها حرباً على الإرهاب.
وفي المحصلة فإن ما ينتج عن اندفاع الرئيس ترامب بزخم منفلت يؤدي إلى نتائج عكسية تفقد فيها أمريكا حلفاءها على الساحة الدولية، وتثير حول سياستها الكثير من الشكوك، وبدلاً من الكسب فإنها تفقد من نفوذها الدولي. يتبع …
1448-01-28