العدد 480 -

السنة الأربعون، محرم 1448هـ الموافق حزيران 2026م

عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله عنه

ريان عيسى – العراق

من القصص المثيرة في سيرة أصحاب رسول الله ﷺ سيرة الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، رضي الله عنه، حيث اجتمع إيمانه بالله ورسوله وبالإسلام من جهته هو واجتمع النفاق كله في جهة أبيه عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين في المدينة المنورة، لهذا لا نستطيع فصل السيرتين إحداهما عن الأخرى، لهذا سنتطرق في هذه المقالة إلى واقع الاثنين معا، وكيفية تعاملهما مع قضية واحدة، ألا وهي دين الإسلام العظيم، والعجيب في هذه السيرة أن الابن والأب كلاهما يحمل اسم (عبد الله).

جاء عبد الله (الابن) من بيت عز وشرف لولا اتباع أبيه لسلطان هواه، جاء والحكمة تملأ قلبه، وكان قلبه طوع عقيدته، فتقدَّم الصف المسلم الوليد وكان مكانه في الصدارة.

ومن لحظة دخوله في دين الله ولَّى وجهه شطر نهجه الدفاعي عن الإسلام متبتلًا له، وكان منهجه ضميرًا واحدًا لا يقبل التجزئة أو التناقض، فهو في دفاعه ضد الكفر، كما هو في دفاعه ضد النفاق، وهو في مدافعته أباه، كما هو في مدافعته كل كافر، أو منافق زيَّـنت له نفسه النَّيل من دعوة الإسلام، أو من الداعي إليها ﷺ.

ابن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم – وسالم هو الذي يقال له الحبلى لعظم بطنه – بن غنم بن عوف بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي، المعروف والده بابن سلول المنافق الشهير. وقد كان عبد الله بن عبد الله من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيره النبي ﷺ وسماه عبد الله.

شهد بدرا وما بعدها، وذكر أبو عبد الله بن منده أن أنفه، رضي الله عنه، أصيب يوم أحد، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب. والأشبه في ذلك ما روي عن عائشة، عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، أنه قال: نَدَرَت ثَنِيَّتي فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ ثنية من ذهب.

كان عبد الله (الوالد) رجلا تُنسَج التيجان له، ثم سقط التاج قبل أن يلامس رأسه!! فتحوّل من مشروع ملك إلى أخطر عدو خفي (منافق).

كان عبد الله بن أبيّ بن سلول من كبار الخزرج في يثرب قبل الهجرة، وقد كان قومه قد هيأوه للمُلك حتى نظموا له الخرز ليُتوَّج عليهم، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة وآمن به الأوس والخزرج، سقط ملك ابن أبيّ هذا قبل أن يبدأ، فامتلأ قلبه حقداً وغيظاً، وأظهر الإسلام وأبطن الكفر، فصار رأس المنافقين في المدينة، يجتمع حوله من كان على شاكلته ممن لم يخلص الإيمان في قلبه.

في بداية الأمر كان يظهر الإسلام ويصلي مع المسلمين، لكنه كان يضمر العداوة ويكيد لهم، وقد قال الله تعالى في وصف أمثاله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 8-9].

وكان عبد الله بن أبيّ رأس هؤلاء في المدينة، يخطط ويثير الفتن ويشعل الأحقاد بين المسلمين. في غزوة بدر لم يخرج مع المسلمين، فلما انتصر المسلمون ازداد غيظه، ثم في غزوة أحد خرج مع النبي ﷺ ومعه ثلاثمائة رجل، فلما وصل الجيش إلى الطريق رجع هو ومن معه وقالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، فكان ذلك سبباً في خلل كبير في صفوف المسلمين، وقد قال الله تعالى في شأنهم: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 167].

وفي غزوة بني المصطلق قال كلمته المشهورة حين حصل نزاع بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال ابن أبيّ: لقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلا كما قال القائل سَمِّنْ كلبَك يأكلْك، ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وهو يقصد أنه يخرج النبي ﷺ وأصحابه، فأنزل الله سورة المنافقون تفضحه وتكشف أمره، فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافقين لا يعلمون﴾ [المنافقون: 8].

وبقدر رغبة ابن أُبيّ في هدم الدين، كان طموح ولده في تثبيت أركانه، أجل.. سمع عبد الله بمقولة أبيه، وعلم بإنكاره لها في أشد صور الإنكار، ثم جاءت السماء بالحقيقة التي أوصلت ضجيج الحزن في نفس عبد الله إلى أشدّه، وأترعت قلبه بألوان الهم والكآبة، حيث دعا ﷺ الغلام زيد بن أرقم، وقال له: «إن الله قد صدقك يا زيد»(8)، ثم تلا عليه حكم السماء وتصديقها له: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ {7} يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

فقد مضى سراعًا إلى النبي ﷺ، وأسمعه مقولته التي ستبقى أصداؤها تتردد في طول التاريخ وعرضه: هو والله الذليل وأنت العزيز يا رسول الله، إن أذنت لي في قتله قتلته، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها أحد أبر بوالده مني، ولكني أخشى أن تأمر به رجلًا من المسلمين فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي على الأرض حيًا حتى أقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار.

ولكن النبي ﷺ طمأنه، وجبر كسر نفسه، وأوصاه بأبيه خيرًا: «بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا، ولا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لكن بر أباك وأحسن صحبته».

إن تصرف عبد الله يسوق برهانًا جليًا على أن رابطة العقيدة أوثق الروابط، وإن وشيجة الحب في الله أقوى الوشائج، إنها والله لعظمة متبادلة صبها الإسلام في النفوس. فخرج عبد الله بعد لقائه برسول الله ﷺ وانتظر أباه حتى عاد للمدينة فمنعه من دخولها حتى يقر على نفسه بأنه الذليل ورسول الله هو العزيز ولم يترك أمره هذا حتى جاءه أمر رسول الله بالكف عن ذلك مع والده.

وكان لوالده دور في حادثة الإفك حين خاض في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فكان من الذين أشاعوا الكذب، فأنزل الله براءتها في القرآن الكريم في سورة النور، وفضح المنافقين الذين خاضوا في الإفك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11]. وكان ابن أبيّ رأس هذه العصبة، يشيع الكذب ويثير الفتنة، حتى أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبيّن كذب المنافقين.

وقد كان النبي ﷺ يعامل ابن أبيّ بما يظهره من الإسلام، ولم يقتله أو يضيق عليه أو يفضحه إنما عامله بما يظهره من الإسلام -ولو نفاقا- والرسول ﷺ يعلم واقعه، إذ كان ﷺ مأموراً بأن يقبل ظاهر الناس ويكل سرائرهم إلى الله، وكان ابن أبيّ يستغل ذلك فيزيد من كيده ومكره.

لقد ظل عبد الله بن أبيّ رأس النفاق في المدينة حتى وفاته، وكان أخطر طابور خامس داخل المجتمع الإسلامي الناشئ، لكنه لم يستطع أن يضر الإسلام ضرراً حقيقياً، إذ حفظ الله نبيه ودينه من كيده، وجعل قصته عبرة لكل من يضمر العداء للإسلام وهو يظهر غير ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145].

أما ولده عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول فقد صدق الله ما وعده فقضى شهيدا يوم اليمامة بعد بلاء عظيم وشجاعة منقطعة النظير حتى أثخنته الجراح واخترقت جسده السهام فسقط شهيدا في سبيل الله مقبلا غير مدبر وصدق الله فيما وعده.

 اللهم برحمتك احشرنا معهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *