العملات الرقمية، استمرار نهب مدخرات الناس وتكريس الهيمنة الماليّة
23 ساعة مضت
المقالات
210 زيارة
عبد الحليم الحوراني
أولاً: السطو الصامت على المدخرات:
لقد بات لصوص هذا العصر غير محتاجين إلى أقنعة أو أسلحة للسطو على أموال الناس؛ فالنظام المالي الحديث يتكفل بالمهمة عبر آلية خفية ومصممة بدقة لقضم مدخراتهم شيئا فشيئاً. فنحن نواجه معضلة حقيقية اسمها “التضخم النقدي المبرمج”وهي تحول الأرقام الضخمة التي تراها في حسابك البنكي أو مدخراتك أو دخلك إلى أرقام مجردة من قيمتها الشرائية الأصلية بمرور الوقت فقط.
فعندما يحتفظ الإنسان بمدخراته النقدية لسنوات طويلة ظناً منه أنه يؤمّن مستقبله ومستقبل عائلته، فإنه في الواقع يخوض معركة خاسرة مع الزمن الذي تتعرض فيه هذه المدخرات إلى نقصان في قوتها الشرائية المستمر والذي يعكسه التضخم المستمر لأسعار الأصول والسلع الأساسية، ليجد الناس أن طاقة عملهم التي بذلوها قد جُرِّدت من قيمتها الحقيقية.
وبالتالي إن بقاء رصيدك الرقمي ثابتاً في البنك لعدة عقود يعني اقتصادياً أنك خسرت ما يقارب 85% من قدرتك الشرائية الحقيقية. فالمال لا يتبخر في الهواء بل يفقد قيمته عبر قنوات ملتوية، وتتحول هذه القيمة إلى جيوب جهات أُخَر مستفيدة من هذا الخلل الهيكلي. والأخطر أن التحول الحديث نحو “العملات الرقمية للبنوك المركزية”لا يأتي لتصحيح هذا المسار الخطير، بل يمثل أداة جديدة لتسريع وتيرة هذا النهب الممنهج المستمر منذ خمسة عقود ومنحه شرعية تكنولوجية أوسع. لذلك كان لابد من الوعي على آليات هذا النظام المالي القبيح ليكون ذلك خط الدفاع الأول للعمل على التخلص منه واستبدال نظام مالي حقيقي به يحمي أموال الناس وينميها.
ثانياً: كيف تحول النقد من قيمة ذاتية إلى وهم ورقي
لم يكن انهيار النظام المالي الحالي وليد الصدفة، بل جاء ثمرة تحولات مدروسة امتدت قرونا، جرى خلالها تفكيك الارتباط بين النقد والقيمة الحقيقية تدريجياً. فقد اعتمدت البشرية لما يقارب أربعة آلاف عام على الذهب والفضة قاعدةً أساسية للنقد. وتميزت تلك الحقبة باستقرار نقدي لافت مستدام نظراً لامتلاك هذه المعادن قيمة ذاتية مستقلة غير خاضعة للأهواء السياسية أو التلف. ثم بدأ الانحراف البنيوي في أوروبا خلال القرن السابع عشر؛ فقد اعتاد الناس تداول إيصالات ورقية من حيث هي بديل مريح عوضاً من نقل الذهب. ومع الزمن لاحظ الصيارفة أن نسبة ضئيلة فقط من المودعين تطالب بذهبها في وقت واحد، فاستغلوا ذلك لإصدار إيصالات تفوق كثيرا حجم الذهب الفعلي في خزائنهم، وهنا بدأنا نشهد ولادة “نظام الاحتياطي الجزئي”وتوليد النقد من العدم.
مع الزمن تطور النظام وتأسست البنوك الرسمية وجرى ربط عملات العالم بالدولار الأمريكي مرجعاً أساسياً، على أن يلتزم الدولار وحده الارتباطَ بالذهب بسعر ثابت، وهو 35 دولاراً للأونصة. وكان هذا بناء على اتفاقية بريتون وودز عام 1944م والتي كانت اتفاقية دولية ضخمة صاغها ممثلو 44 دولة من دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. سار كل شيء بانتظام في فترة الخمسينيات، حيث كانت أمريكا تملك الذهب والعالم يثق بالدولار، حتى منتصف الستينيات حين تورطت أمريكا في حرب فيتنام ومشاريع داخلية مكلفة. وبدلاً من رفع الضرائب لتمويل العجز بدأت الولايات المتحدة تطبع الدولار بكميات هائلة تفوق كثيرا ما تملكه من ذهب. وعندها انتبهت الدول الأوربية للأمر، فطالبت أمريكا بإعطائها الذهب بدلاً من الدولارات الفائضة لديها، ما اضطَر الرئيسَ الأمريكي آنذاك نيكسون في عام (1971) إلى الخروج من المأزق بإعلان إلغاء قابليّة تحويل الدولار إلى ذهب، لينهي بهذا القرار آلاف السنين من التاريخ النقدي الذهبي الحقيقي، وتحولت نقود العالم بالكامل إلى “عملات إلزامية”، مجرد أوراق وأرقام لا يدعمها أي أصل حقيقي، وخاضعة لسياسات طباعة لا سقف لها. وعندها بدأت قيمة الدولار تهوي مقابل الذهب بشكل متسارع؛ وبحساب بسيط للقوة الشرائية الحقيقية للدولار مقوَّمةً بالذهب نجد أن الدولار قد فقد في الواقع أكثر من 98% من قيمته الأصيلة من وقتها حتى يومنا هذا، ما يعني اقتصادياً أن أي فرد احتفظ بمدخراته النقدية طوال نصف القرن الماضي قد جُرِّد من ثروته عبر آلية صامتة ومنهجية.
ثالثاً: آليات توليد النقد اليوم والتآكل الصامت للقيمة
إن هيكلية المنظومة المالية اليوم معقدة، وتُدار بآليات تختلف تماماً عن إدراك العامة الذين يعتقدون أن البنوك مجرد خزائن آمنة لنقودهم. وهنا لا بد من بيان آلية لا يعلمها العامة؛ وهي ما يسمى الرافعة المالية (Money Multiplier). فعندما يودع العميل مبلغاً من المال في البنك فإن البنك لا يحتفظ حقيقة بالمال، بل يحجز نسبة ضئيلة جداً 10% تقريبا (حسب قانون الدولة) بصفة احتياطي جزئي، ثم يقرض الكتلة الكبرى (90%) لعميل آخر يعيد ضخها في النظام المصرفي لتبدأ الدورة من جديد، حيث يقوم المقترض بإيداع المبلغ المقترض إلى (90%) في حسابه في البنك، فيبقي البنك نسبة حجز (10%) فقط ويقرض 90% لمقترض جديد وهكذا. فهذه الحركة الارتدادية تحوّل العشرة آلاف دفترياً إلى مئة ألف على شكل قروض، ما يعني أن 90% من الكتلة النقدية خُلقت بالكامل من العدم عبر الائتمان والرافعة المالية.
فبناء على البيانات والتقارير الدورية الصادرة من البنوك المركزية الكبرى والمؤسسات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية) فإن حجم النقد الفيزيائي الملموس في العالم اليوم يبلغ حوالي 8 تريليونات دولار فقط، في حين يتجاوز حجم “النقود الواسعة” (الودائع والحسابات الدفترية) عتبة 150 تريليون دولار. هذا الفارق الهائل يمثل سيولة وهمية لا وجود مادي لها، ولو قرر المودعون سحب أموالهم نقداً في يوم واحد، لعجز النظام عن تلبية 95% من هذه الثروات الدفترية.
فهذا التوسع النقدي اللا محدود هو الصانع المباشر للتضخم؛ فكل وحدة نقدية تدخل السوق دون إنتاج يقابلها سوف تقضم بشكل أكيد من القوة الشرائية للوحدات السابقة. وبلغة الأرقام، فإن مدخرات بقيمة 100 ألف وحدة جرى حفظها في بيئة تضخمية بمتوسط 5% سنوياً، ستتآكل قيمتها الفعلية لتصل إلى حدود 60 ألفاً بعد عقد واحد فقط. ورغم أن الأرقام تبقى ثابتة في الدفاتر ولكن تلاشت 40% من قيمتها (قوتها الشرائية) لتنتقل بهدوء ودون لفت نظر الناس إلى الجهات التي تلقت السيولة المنشأة حديثاً كالحكومات والمصارف الكبرى.
رابعاً: العملات الرقمية واستمرار السرقة المنهجية
في الآونة الأخيرة يجري التسويق عالمياً للعملات الرقمية بشكل متسارع، باعتبارها ثورة تكنولوجية تصحيحية، لكنها في الواقع بعد تفحص ماهيتها وآلياتها ما هي إلا طريقة جديدة تسرّع توليد النقد من العدم، وتُوسّع رقعة تآكل القدرة الشرائية للمال. ويتكون هذا الفضاء من ثلاثة أشكال من العملات الرقمية التي تتشابه كلها في غياب القيمة الذاتية:
1-العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)
وهي الامتداد الرقمي المباشر للعملات القانونية التقليدية (مثل اليوان الرقمي، والروبل الرقمي المكتمل تشريعياً عام 2025). والدولار الرقمي الذي كان إلى وقت قريب يسوق له ترامب؛ وهذه العملات الرقمية (للبنوك المركزية) تُخلق برمجياً بقرار سيادي وتُصمم داخل أروقة البنوك المركزية للدول، إما بنظام الحسابات المرتبطة بالهوية الشخصية أو بنظام المحافظ المرمزة.
ولتوضيح النظامين:
العملات الرقمية “المرتبطة بالهوية الشخصية“:وهذا الشكل يشبه إلى حد بعيد طريقة عمل الحسابات البنكية التقليدية، ولكن الفارق أن حسابك يكون مباشرة لدى البنك المركزي، وتكون العملة الموجودة في الحساب مرتبطة بهوية مالك الحساب، مثل الاسم ورقم الهوية أو البصمة، ويمكن تتبع أي إجراءات تقوم على هذه المبلغ تحويلا وإنفاقا؛ فعندما تحول أموالاً لشخص آخر، يقوم النظام بالتأكد من هويتك، ثم يخصم المبلغ من حسابك ويضيفه لحساب الشخص الآخر بعد التأكد من هويته أيضا، وتنتقل البصمة الإلكترونية لهذه النقود إلى مالك جديد ببصمته الجديدة، والأمر أشبه بكتابة “شيك بنكي”؛ لا يمكن صرفه أو التعامل به إلا إذا تطابق الاسم والهوية والتوقيع.
أما العملات الرقمية المرمزة (Token-Based): فهذا الشكل يشبه النقود الورقية الكاش التي في جيبك، ولكن بصيغة رقمية داخل محفظة إلكترونية، والقيمة هنا مخزنة في “رمز رقمي” (Token) مشفر، يعمل من خلال شبكات بلوكتشين عامة (مثل Ethereum أو Tron أو Solana). والنظام لا يهمه “مَن أنت”، بل يهمه “هل هذا الرمز حقيقي وصحيح أم مزيف؟”فعندما تدفع لشخص ما، تنتقل ملكية الرمز الرقمي من محفظتك إلى محفظته فوراً، دون الحاجة للكشف عن هويتك الشخصية للنظام، تماماً مثلما تعطيه ورقة نقود من فئة 10 دولارات. والتحقق يكون عبر “مفاتيح تشفيرية” (عامة وخاصة) تملكها في محفظتك. والأمر أشبه بـ”بطاقات الهدايا” (Gift Cards)؛ من يملك البطاقة يمكنه الشراء بها فوراً، ولا يسأله المحل عن هويته، المهم أن البطاقة صالحة وبها رصيد.
وهذه العملات بنوعيها يكون إصدارها وتوزيعها على مرحلتين؛ أولها مرحلة الجملة للمصارف مقابل أصول كالسندات، وثانيها مرحلة التجزئة للأفراد عبر التطبيقات الإلكترونية، وهي تكون مرتبطة مباشرة بالبنك المركزي، ما يجعل الحكومة هي الضامن لقيمتها الاسمية، ولكن هذا الارتباط يمنح الدولة سلطة “برمجية النقد والتوجيه”، كوضع شروط زمنية لصرف الأموال، أو التجميد الفوري للحسابات دون مسارات قضائية، وبالتالي هذا يلغي تماماً الخصوصية المالية. فلو فرض البنك المركزي “فائدة سالبة”أو اقتطاعاً مباشراً لإجبار المجتمع على الاستهلاك فلن يجد المواطن مهربا من ذلك.
ويمثل حجم هذا الشكل من الأموال نسبة بسيطة من الحجم الكلي للنقد، إذ لا يتجاوز المتداول منه عالمياً 4 مليارات دولار، نظراً للإعراض الشعبي عن تبني هذا النوع. ولكن هذا الرقم مع الدعم الحكومي متوقع أن يصل إلى حوالي 500 مليار دولار خلال 10 سنوات.
2-العملات الرقمية المستقرة (Stablecoins)
وهي الوجه الآخر في مشهد النقد الرقمي. صحيح أنها عملة رقمية مثل السابقة، ولكنها لا تصدر من بنوك مركزية، بل من شركات ومؤسسات خاصة(أبرزها شركة Tether المصدرة لـUSDT وCircle المصدرة لـUSDC)، ومعظم هذه العملات تصدر حاليا على شكل نظام الـToken المرمز المذكور سابقاً.
وتقوم فكرتها الأساسية على تقديم “أصول رقمية”تدعي الشركات أنها ترتبط بالدولار الأمريكي بمعدل (1:1) ومضمونة عبر الاحتفاظ باحتياطيات موازية من الدولارات الحقيقية وسندات الخزانة لضمان قيمتها.
تبدأ القصة برغبة الزبون -وهو يكون في الغالب منصة تداول ضخمة أو مؤسسة مالية كبرى- في تحويل جزء من سيولته التقليدية إلى العالم الرقمي ليسهل عليه التداول. فيقوم هذا الزبون بتحويل مبلغه الضخم، لنقل مائة مليون دولار حقيقي، من حسابه البنكي التقليدي مباشرة إلى الحساب المصرفي الخاص بالشركة المصدرة مثل “تيدر”. وبمجرد أن تستشعر أنظمة الشركة وصول الدولارات الحقيقية وصلاحيتها، تصدر أمراً برمجياً فورياً على شبكة البلوكشين يُعرف بـ”السك”، وهو عبارة عن توليد مائة مليون رمز رقمي جديد تماماً من العدم، لتقابل تلك الدولارات التي دخلت الحساب البنكي.في المرحلة التالية، تقوم الشركة بإرسال هذه الرموز البرمجية الجديدة مباشرة إلى المحفظة الإلكترونية المشفرة الخاصة بالزبون، ليتسلمها في عالم التشفير ويبدأ بضخها وتداولها أو بيعها للأفراد العاديين عبر المنصات. وهنا تكتمل عملية التسليم وينفصل الزبون بأرقامه الرقمية عن حركة المال التقليدي.أما في خلفية المشهد حيث تبدأ هندسة الاحتفاظ بالأصول وإدارتها من قبل الشركة؛ فهي لا تترك تلك الملايين الحقيقية راكدة في حسابها البنكي، بل تُبقي على جزء بسيط منها سيولةً نقدية طارئة لمواجهة أي عمليات استرداد مفاجئة، وتأخذ الكتلة الكبرى من هذه الملايين لتشتري بها فوراً سندات خزانة أمريكية قصيرة الأجل من السوق المالي. هذه السندات تظل مخزنة باسم الشركة بصفة غطاء شرعي وأصول احتياطية تضمن قيمة العملة الرقمية أمام العالم، وفي الوقت نفسه تدر على خزائن الشركة أرباحاً وفوائد هائلة، بينما يكتفي الزبون في الطرف الآخر بتداول رموزه المجردة التي لا تمنحه أي عائد.
وتكشف البيانات المالية حجم الأرباح الأسطورية الناتجة من هذه الهندسة؛ حيث سجلت شركة Tether وحدها أرباحاً صافية بلغت 13 مليار دولار عام 2024، وتجاوزت أرباحها حاجز الـ10 مليارات دولار في الربع الأخير من عام 2025. وبحيازة ضخمة بلغت 141 مليار دولار من السندات الأمريكية، نجحت هذه الشركة الخاصة في تفوقها على دول واقتصادات كبرى كألمانيا في حجم حيازة الدين الأمريكي.
واليوم، يبلغ حجم هذا القطاع عالمياً اليوم نحو 250 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 1500 مليار خلال العشر سنوات القادمة. وهذا الطلب الرقمي الهائل لا يلتف على سقف الدين الذي يحدده الكونغرس، بل يعمل كـ”مُسكّن ومُسهل”للنظام؛ فهو يرفع الطلب على الدين الأمريكي ويخفض أسعار الفائدة، مما يمنح الإدارة الأمريكية عمراً أطول للاستمرار في سياسات الاستدانة والتضخم.
ويرجع تفضيل الزبون والمؤسسات المالية لهذه الدولارات الرقمية المستقرة على الحسابات البنكية الجارية التقليدية إلى رغبتهم في التحرر من قيود النظام المصرفي التقليدي، وهو ما يحقق لهم ثلاث ميزات إستراتيجية لا تقدمها البنوك العادية:
أول هذه الميزات هي السرعة الفائقة والعمل على مدار الساعة؛ فالبنوك التقليدية تحكمها ساعات عمل محددة، وإجازات نهاية أسبوع، وتستغرق الحوالات الدولية عبر نظام “سويفت”أياماً طويلة للمرور عبر البنوك المراسلة، فضلاً عن الرسوم المرتفعة. في المقابل، تتيح هذه العملات الرقمية نقل مئات الملايين عبر الحدود في ثوانٍ معدودة، وبتكلفة لا تتجاوز بضعة دولارات، وفي أي وقت من الليل أو النهار طوال أيام السنة دون توقف.
الميزة الثانية تكمن في مرونة الحركة داخل بيئة التشفير والذكاء الاصطناعي؛ فهذه العملات المستقرة تمثل “الوقود الأساسي”لمنصات التداول وأسواق المال الرقمية واللامركزية. الزبون لا يمكنه شراء العملات المشفرة أو اقتناص الفرص الاستثمارية السريعة في هذه الأسواق باستخدام حساب بنكي جارٍ يتطلب إجراءات تَحَقُّق معقدة وموافقات لكل عملية؛ لذا يحتاج إلى عملة مستقرة تعيش وتتحرك بنفس لغة البرمجة التي تعمل بها شبكات البلوكشين.
أما الميزة الثالثة والجوهرية فهي التحصن ضد الرقابة المباشرة ومخاطر تجميد الحسابات؛ فالحسابات البنكية الجارية تقع تحت المقصلة المباشرة للقوانين المحلية، والامتثال البنكي، والقرارات القضائية أو السياسية الفورية التي قد تجمد الأموال لأي سبب تنظيمى. بينما تمنح الدولارات الرقمية المستقرة الزبون نوعاً من الاستقلالية؛ فبمجرد سحبها إلى محفظته الخاصة، تصبح الأموال تحت سيطرته المباشرة، بعيداً من أعين الرقابة البنكية التقليدية، ما يمنحه حرية كاملة في نقلها وتوظيفها دون الحاجة لتبرير مستمر لكل حركة أو إنفاق.
3-العملات المشفرة اللامركزية
وتأتي العملات المشفرة اللامركزية، وفي مقدمتها البيتكوين، ظاهرةً موازية ومستقلة تماماً في هذا المشهد الرقمي، حيث تُدار بالكامل عبر شبكات حاسوبية موزعة وعملاقة تعتمد على تقنية “البلوكشين”. وتتميز هذه العملات بأنها لا تحظى بدعم أي بنك مركزي أو غطاء مالي ملموس، بل تستمد قيمتها وسعرها في السوق من المضاربات البحتة والاتفاق الجماعي بين المتعاملين، ما يجعلها عرضة لتقلبات سعرية حادة ومفاجئة، لكونها تفتقر إلى وجود أي ضامن قانوني أو سيادي يحمي قيمتها الاسمية عند الأزمات.
وفي عمق هذا السوق، تتحرك “آلية المضاربة الصفرية”التي تجعل النظام يُدار كـلعبة مالية محصلتها صفر؛ فكل دولار يربحه مستثمر لا بد أن يقابله دولار يخسره مستثمر آخر في مكان ما من العالم، لتصبح المكاسب الحقيقية غالباً من نصيب الداعمين الأوائل الذين اشتروا بأسعار زهيدة، بينما تقع الخسائر على كاهل المتأخرين. وفي هذه اللعبة، تتربع بورصات التداول الكبرى كالمستفيد الأذكى والأضمن في السوق، إذ تجني ثرواتها من رسوم السحب والمدفوعات المتكررة بغض النظر عن صعود الأسعار أو هبوطها، تماماً كأصحاب دور القمار الذين يربحون دائماً من حركة اللاعبين، يليهم في كعكة الأرباح “الحيتان”وكبار المستثمرين، إلى جانب قطاع التعدين الصناعي المستهلك للطاقة والكهرباء بشراهة، في حين تظل أموال صغار المشترين المتأخرين، الذين تدفقوا مدفوعين ببريق الطمع والموجات الإعلامية، عرضة للتلاشي السريع بمجرد وصول السعر إلى القمة وبدء عمليات البيع الكثيفة.
واليوم، يستقر الحجم الإجمالي لسوق العملات المشفرة بأكمله عند نحو 2.5 تريليون دولار، وهو رقم يعكس حجم السيولة الهائلة والمغامرة المالية التي باتت تحرك هذا القطاع اللامركزي عالمياً، وتجعله لاعباً لا يمكن تجاهله في الساحة المالية الدولية رغم كل مخاطره.
خامساً: كيف تُسرق أموال الناس في صمت؟
في الماضي، كان سلب أموال الشعوب يتطلب معاملات ورقية وقوانين معقدة تأخذ وقتاً طويلاً. أما اليوم، في العالم الرقمي والإنترنت والسياسات النقدية التي ذكرناها تتلاشى هذه العوائق، ويصبح بإمكان الحكومات مصادرة قيمة أموالك وجهدك “بضغطة زر”وفوراً، عبر الطرق التالية:
-
طباعة الأموال من “العدم” (التضخم السريع)
العملات الرقمية والأنظمة البنكية الجديدة جعلت طباعة الأموال سهلة جداً. في كل أزمة، تقوم البنوك المركزية بضخ تريليونات الدولارات الوهمية في السوق بلمسة زر، والنتيجة أن الأسعار تقفز بسرعة صاروخية، بينما دخول الناس تتحرك ببطء، فيجد الناس أنفسهم مع الزمن عاجزين عن شراء نفس السلع.
-
لعبة “من يصل أولاً”؟ (خراب القوة الشرائية)
عندما تطبع الدولة أموالاً جديدة، تذهب هذه الأموال أولاً للحكومة والمقاولين الكبار التابعين لها، وهؤلاء ينفقون هذه الأموال بشراء العقارات والأصول قبل أن ترتفع الأسعار. وبعد حين وعندما تصل هذه الأموال إلى المواطن العادي تكون الأسعار قد ارتفعت بالفعل؛ فيتسلّم المواطن نفس عدد الأوراق النقدية، ولكن قوتها الشرائية تكون قد انخفضت عما كانت من قبل.
-
الضرائب المخفية (تخفيض العملة كحيلة سياسية)
بدلاً من أن ترفع الحكومات الضرائب بشكل علني يثير غضب الشعب، تلجأ لحيلة ذكية ومخفية وهي طباعة أموال جديدة لسداد الديون والنفقات، وبالتالي خفض قيمة العملة، وهذا ما حدث في تركيا (حيث فقدت الليرة 85% من قيمتها منذ 2020)، وفي الأرجنتين ولبنان. فمع تحول الأموال إلى أرقام على الشاشات أصبح هذا الخفض يحدث تلقائياً وصامتاً دون أن تشعر به الناس، ليستيقظوا وقد فقدت مدخراتهم قيمتها التي كانت بالأمس.
-
الفائدة السلبية: (ممنوع أن تدخر!)
في عصر الكاش (الورقي) كان إذا لم يعجبك البنك فيمكنك سحب أموالك وتخزينها لديك نقداً، أما في العالم الرقمي فيختفي هذا المهرب. وهنا تستطيع السلطات فرض “فائدة سلبية”، أي اقتطاع نسبة مئوية مباشرة من حسابك كل شهر، لكي تجبرك رغماً عنك على إنفاق أموالك وتحريك الاقتصاد بدلاً من ادخارها. مثلما فعلت بنوك أوروبا وسويسرا بخصم رسوم مباشرة من حسابات المودعين لإجبارهم على الإنفاق وتنشيط السوق. والأخطر هو ما جرّبته الصين عبر “اليوان الرقمي مبرمج الصلاحية“، حيث حُدّد تاريخ انتهاء للأموال؛ فإما أن يصرفها المواطن في شراء السلع خلال أسبوعين، أو تتبخر وتختفي من محفظته الإلكترونية بضغطة زر.
نذكر ما حدث في قبرص سنة 2013 عندما قُصّ جزء من ودائع الناس، أو لبنان سنة 2019 عندما حُجزت الأموال وفقدت 80% من قيمتها، أو كندا سنة 2022 حين جمدت الحكومة حسابات المتظاهرين دون حكم قضائي. ففي العالم المالي الرقمي لن تحتاج الدولة لجهد كبير، بل يمكنها بمنظومتها الرقمية تجميد ملايين الحسابات البنكية للمواطنين في دقائق معدودة.
-
التجسس المالي والتحكم في حياتك:
المنظومة الرقمية تسجل كل قرش تصرفه (أين، ومتى، ومع من) وهذا يمنح السلطة نفوذاً كاملاً لتوجيه معاملاتك أو حظر مساعدات عنك أو حتى منعك من شراء سلع معينة. هذا التغلغل يعد انتهاكاً صارخاً لسلطان الإنسان على أمواله، والتي كفلتها الشريعة الإسلامية وحرمت المساس بها.
أزمة عام 2008 المالية استغرقت أشهراً لكي تنهار البنوك الكبرى ويفهم الناس ما يحدث. أما اليوم فالسرعة مرعبة فهنالك شبكات ومنصات رقمية مليارية مثل (Terra/Luna) تبخرت في خمسة أيام، ومنصة (FTX) انهارت في عشرة أيام. فعندما ترتبط البنوك التقليدية بالشبكات الرقمية ستحدث الأزمات القادمة في غضون ساعات وليس في أيام، ما يجرد الشخص العادي من أي فرصة لإنقاذ أمواله أو التصرف لحماية نفسه.
سادساً: الميزان الشرعي: وجوب النقد الأصيل وتفنيد البنى المالية المعاصرة
إنّ تتبع هذه الأزمات يقود بالضرورة إلى استدعاء المعيار التشريعي الأصيل الذي وضعه الإسلام لحماية الثروات وتحقيق العدالة الاقتصادية. فقد قرر الشرع الإسلامي أن النقد المعتبر والأصيل هو الذهب والفضة دون غيرهما، وتضافرت على هذا التأصيل أدلة شرعية لا تنفك عن بعضها. فقد ربط النبي ﷺ دية النفس بمقدار معيّن من الذهب، «وعلى أهل الذهب ألف دينار»، وعلّق حدّ السرقة بنصاب ذهبي محدد «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً»، فضلاً عن ربط زكاة النقد بهما وتعيين نصاب مخصوص لهما، وقصر أحكام الصرف والربا النقدي عليهما، «بيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم». وجاء هذا اقتراناً بجريان البيوع والأنكحة بهما في عهده وعهد الخلفاء الراشدين. ولما كانت هذه الأحكام ثابتة إلى يوم القيامة، فإن الدولة ملزمة شرعاً أن يكون نقدها الأصيل ذهباً وفضة، أو ورقاً نائباً مغطىً بهما تغطية كاملة ومباشرة في خزائنها.
والذي يميز الذهب والفضة أنهما يحملان قيمة ذاتية مستقرة بطبيعتهما خلافاً للعملات الإلزامية المعاصرة (الورقية والرقمية) التي لا قيمة لذاتها وتستمد وجودها من قوانين إلزامية تتبدل بتبدل الظروف السياسية.
وما تمارسه الدول الآن في أنظمتها النقدية يقوم على خلق الثروة من العدم، ويرتكز النظام المصرفي على توليد الائتمان وإقراض أموال لا وجود حقيقي لها في الخزائن، ما يمثل مصادمة صريحة لنهي الرسول ﷺ عن بيع الإنسان ما لا يملك، بالإضافة لحرمة سرقة أموال الناس بالباطل، حيث إن خفض قيمة العملات المبرمج والتضخم المنشأ صناعياً يمثل قضمًا متعمداً لجهد الإنسان وعمله لصالح الجهات المصدرة للنقد، وهو أجلى صورة لأكل أموال الناس بالباطل التي حرمها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.
الخلاصة والبديل
إن كل المعطيات تؤدي إلى حقيقة واحدة؛ أن المنظومة النقدية المعاصرة صُممت لخدمة الأقلية التي تصدر النقد وتستحوذ على الأصول الحقيقية ليكون المواطن العادي هو الضحية الدائمة. وما يحدث اليوم من “رقمنة للعملات”ليس تطوراً تقنياً بريئاً، بل هو وسيلة لتسريع وتغلغل مصادرة أموال الشعوب وجهودها.
ولأن النظام الحالي يسير نحو طريق مسدود، فإن البديل المستدام لحماية أمن البشر المعاشي يكمن في مسارين؛ الأول هو العودة إلى قاعدة النقد الحقيقي القائم على الأصول ذات القيمة الذاتية “الذهب والفضة”، والآخر هو إخضاع المعاملات المالية للضوابط الشرعية الإسلامية التي تُحرم الربا وأكل أموال الناس والاحتكار والتلاعب بالعملات وتكفل حماية الملكية والخصوصية.
1448-01-17