حين تتكرر فرعونية الطغيان، بين غفلة الأمة وواجب التغيير
12 ساعة مضت
المقالات
77 زيارة
أ.عبد السلام البدري
لم تكن قصة فرعون حدثًا تاريخيًا معزولًا انتهى بغرق طاغية في البحر، وإنما جعلها الله آيةً متجددة تتكرر صورها في حياة البشر كلما ضعفت معاني الحق، وسكت الناس عن الظلم، ورضيت الأمة بالخضوع للطغاة والمستكبرين. فالقرآن لا يروي القصص للتسلية، بل ليكشف سنن الصراع بين الحق والباطل، وليبين للناس كيف ينشأ الطغيان، وكيف تسقط الأمم حين تفقد ميزان الحق والعدل.
إن فرعون لم يكن مجرد رجل متكبر ادعى الألوهية، بل كان نموذجًا لنظام سياسي وفكري يقوم على السيطرة على العقول، وتزييف الحقائق، وإخضاع الناس بالخوف والدعاية والقوة. ولذلك قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
وهكذا يفعل كل طاغية؛ يتصرف وكأنه يحتكر الحقيقة، فيجعل رأيه قانونًا، ويصور نفسه مصلحًا ومنقذًا، بينما الحقيقة أنه يبني سلطانه على الظلم والاستعباد ونهب مقدرات الشعوب.
ولم يكن جرم موسى عليه السلام عند فرعون أنه أفسد في الأرض، بل لأنه جاء يوقظ الناس من الخضوع، ويهدم شرعية الباطل، ويعيد ميزان العبودية لله وحده. ولهذا قال فرعون:﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26].
فالمستبدون عبر التاريخ يتهمون دعاة الإصلاح بأنهم أهل فتنة وفوضى، لأنهم يخشون من وعي الأمة أكثر من خشيتهم من السلاح.
إن أخطر مراحل الانحدار ليست وجود الظالم فقط، بل أن تصبح فرعونيته أمرًا مألوفًا، وأن تتكيف الشعوب مع القهر حتى ترى الاستعباد استقرارًا، والباطل سياسة واقعية، والخنوع حكمةً وعقلانية. وعندما تختل الموازين إلى هذا الحد، يصبح الإعلام بوقًا للطغيان، ويكثر المبررون والمطبلون، ويُحارب أهل الحق لأنهم يفضحون الانحراف ويكشفون زيف الشعارات.
ولهذا ربط القرآن بين فساد الواقع وابتعاد الناس عن شرع الله، فقال سبحانه:﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124].
فالمعيشة الضنك ليست ضيق المال فقط، بل هي حالة الشقاء العام التي تعيشها البشرية حين تُحكم بالأهواء البشرية والقوانين الوضعية، فتنتشر الأزمات الاقتصادية، والاضطرابات النفسية، وانهيار الأسرة، والظلم السياسي، والحروب، وفقدان الطمأنينة رغم التقدم المادي الهائل.
بينما أراد الله للإنسان أن يعيش في ظل العدل، ولذلك جعل الحكم بما أنزل الله أساس صلاح الأرض واستقامة الحياة. قال تعالى:﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾ [ص: 26].
فالخلافة في مفهوم الإسلام ليست تسلطًا ولا استبدادًا، وإنما مسؤولية لإقامة العدل وصيانة الحقوق وحمل رسالة الخير للبشرية. وكل نظام يُعطّل شرع الله ويجعل السيادة للأهواء والمصالح البشرية إنما يفتح أبواب الفساد ولو تجمل بشعارات الحرية أو التنمية أو الديمقراطية.
ومن هنا نفهم لماذا كانت رسالة الإسلام رسالة تغيير حضاري شامل، لا مجرد مواعظ فردية. فالنبي ﷺ لم يكتفِ بتربية الأفراد روحيًا، بل أقام مجتمعًا ودولةً تطبق الإسلام وتحمل دعوته إلى العالم. ولذلك تحولت الأمة من قبائل ممزقة مستضعفة إلى أمة قادت الدنيا بالعدل والعلم والرحمة.
وقد فهم الصحابة هذا المعنى العظيم، فكانوا يرون أن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من الخضوع للبشر، ولذلك قال ربعي بن عامر لقائد الفرس: “ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”. إنها عقيدة تحرر الإنسان فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وتجعله عبدًا لله وحده لا تابعًا للأنظمة الجائرة ولا للقوى المستكبرة.
إن واقع الأمة اليوم بما فيه من تشرذم وضعف وهيمنة أجنبية وفساد سياسي واقتصادي، ليس منفصلًا عن غياب سلطان الإسلام عن الحياة. فحين غاب الحكم بشرع الله، حلت مكانه أنظمة مستوردة جعلت الأمة تابعة لغيرها، تُنهب ثرواتها، وتُمزق وحدتها، وتُربط قراراتها بإرادة القوى الكبرى. ولذلك فإن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بمجرد الإصلاحات الجزئية أو الترقيع السياسي، بل بعودة الأمة إلى أساس عزتها: الإسلام نظامًا شاملًا للحياة.
إن الأمة بحاجة إلى وعي فكري يعيد إليها ثقتها بدينها، ويكشف زيف المشاريع التي فرضها المستعمر على بلاد المسلمين، كما تحتاج إلى عمل سياسي مخلص يربط الناس بالإسلام باعتباره مشروع نهضة وحكم وعدالة، لا مجرد شعائر فردية معزولة عن الواقع. فالصراع اليوم ليس صراع حدود فقط، بل صراع أفكار ومفاهيم وأنظمة، ومن يملك الفكرة الصحيحة والمشروع الحضاري الواضح يملك القدرة على صناعة المستقبل.
وفي خضم هذا الصراع، لا يجوز للمؤمن أن يكون سلبيًا أو متفرجًا، بل يجب أن يكون حاملًا لهمِّ أمته، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، عاملًا مع المخلصين لإعادة سلطان الحق والعدل إلى الحياة. قال تعالى:﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
فواجب الأمة اليوم ألا ترضى بالواقع الفاسد، وألا تكتفي بالتشخيص والبكاء على الانحدار، بل أن تعمل مع العاملين الصادقين لإقامة الحق وتحكيم شرع الله في الأرض، حتى تعود الأمة شاهدةً على الناس كما أراد الله لها، ويعود الإسلام رحمةً وعدلًا وهدايةً للبشرية كلها. فبذلك وحده تنكسر فرعونية الطغيان، وتتحقق كرامة الإنسان، وتُفتح بركات السماء والأرض، ويستعيد المسلمون مكانتهم التي فقدوها يوم تركوا الحكم بما أنزل الله.
1447-12-26