كيف ضربت بريطانيا مُمْسِكاتِ الوحدة، وقطفت أمريكا الثمرةَ بسياسةِ حدودِ الدم
18 ساعة مضت
المقالات
86 زيارة
المهندس باسل مصطفى-عضو مجلس حزب التحرير في ولاية السودان
في الثاني من سبتمبر سنة 1898م، دخلت جيوشُ الكافرِ المستعمِرِ الإنجليزي، بقيادة كتشنر، مدينة أمدرمان؛ عاصمة الدولةِ المهدية، لتُعلن بذلك وضعَ السودان تحت نفوذِ الكافرِ المستعمِر، وما زال حتى يومنا هذا. ومنذ ذلك الحين والسودان يتقلب في حضن الاستعمار الغربي، ولأجل ديمومة هذه الأوضاع واستمرار جني ثمارها، قامت بريطانيا بأعمالٍ سياسية وفكرية وثقافية استهدفت بها فصلَ السودان عن مصر، ثم إضعافه واستهداف وحدته، وهو ذلك المارد الغني بحضارته وثرواته. فبدأت بصياغة الحياة فيه على أساس الحضارة الغربية، وإخراج الإسلام من حياة الناس، وهو أهمُّ مُمْسِكاتِ وحدة البلاد. وكيف لا تفعل ذلك، وهي التي هدمت دولةَ المسلمين الخلافة، قبل 105 سنوات، في 28 رجب 1342هـ الموافق 3 آذار/مارس 1924م؟ بل إن بريطانيا العجوز هي نفسها التي استبقت هدمَ الخلافة باتفاقية سايكس–بيكو، التي وقعتها مع حليفتها فرنسا في 16 أيار/مايو 1916م، وهي الاتفاقية التي أعملت المبضع في جسد الأمة لتقضي على وحدتها، من خلال مستعمراتٍ وظيفية على أسسٍ قومية أو وطنية ضيقة سُمّيت دولًا؛ حيث جُعل لكل دولةٍ حدودٌ وعَلَمٌ ويومٌ وطنيٌّ، تكريسًا للتفرقة والانقسام.
لقد كانت سياسةُ الاستعمار البريطاني تستهدف وحدةَ السودان بشكلٍ مباشر، حيث ركزت استعمارها بإنشائها للمواعين التي تصوغ بها عقولَ الأجيال مبكرًا؛ ففي 8 نوفمبر 1902م افتتحت كلية غردون (جامعة الخرطوم)، لتُخرج أجيالًا من الأوساط السياسية وكبار الموظفين الذين أُشربوا حضارةَ المستعمِر، والذين لم يكتفوا، عندما أُجلسوا على كراسي الحكم، بأن يديروا البلاد لصالح بريطانيا المستعمِرة، بل نفذوا لها أولَ مخططاتها التي استهدفت لحمةَ البلاد، عندما أعلنوا من داخل البرلمان انفصالَ السودان عن مصر في 19 كانون أول/ديسمبر 1955م! ولم يشف ذلك غليلَ الكافرِ المستعمِر، بل أطلق معاولَ الهدم. ولأجل تهيئة جنوب السودان للانفصال، قننت بريطانيا في العام 1922م ما عُرف بسياسة المناطق المغلقة؛ حيث منعت دخول المسلمين من شمال السودان إلى جنوبه إلا بتصاريح، وأدخلت كبريات بعثات التبشير النصرانية إلى الجنوب، ومنعت استخدامَ اللغة العربية في الجنوب، وفرضت اللغة الإنجليزية للتعليم والإدارة، فصنعت قطيعةً كاملة بين شمال السودان وجنوبه. ولم تكتفِ بذلك، بل وهي تتجهز لإخراج قواتها من السودان، وحتى تحافظ على استعمارها له بتغيير شكل الاستعمار، أطلقت شرارةَ الحرب الأهلية في السودان بتمرد فيلق الاستوائية بتاريخ 18 آب/أغسطس 1955م.
إن بريطانيا، ومنذ أن وطئت أقدامها أرضَ السودان، عمدت إلى سياسةٍ خطيرة تستهدف وحدةَ البلاد، تتمثل في نقطتين:
أما الأولى: فهي إثارةُ القبيلة ككيان، وإخراجُها عن حقيقتها الشرعية بوصفها كيانًا مجتمعيًا للتعارف، وتحويلُها إلى كيانٍ سياسي يتطلع إلى الحكم، بل إلى تمزيق وحدة البلاد.
وأما النقطة الثانية، فهي سياسة الحواكير، أي تمليكُ الأراضي والمراعي والأحراش والغابات لأكبر قبيلةٍ في المنطقة، وتسميتُها بدار بني فلان نسبةً للقبيلة الكبيرة، وتجاهلُ بقية المكونات القبلية واعتبارُها غير موجودة؛ وهو، بلا شك، من أهم أسباب إثارة النزاعات القبلية المستمرة، خاصةً مع احتكاك المزارعين والرعاة سنويًا. وبذلك جرى ترويضُ أهل السودان على الصراعات المستمرة لإضعاف وحدة البلاد وتمزيقها.
إن الدولةَ الوطنية التي صنعها المستعمِر الإنجليزي في السودان كانت، وما زالت، قاصرةً عاطلةً عن أسباب الحياة إلا بوصاية الغرب الكافر؛ لذلك كانت مستهلكةً لمعالجات الغرب الكافر وتصوراته السياسية. فبفكرة حق تقرير المصير فُصل السودان عن مصر، ثم فُصل جنوب السودان عن شماله، وبفكرة الفيدرالية هُيئت أقاليمُ السودان للانفصال، وارتفعت دعاوى العنصرية من عِرقية وجهوية وقبلية لتمزيق ما تبقى من السودان.
لقد صنعت أمريكا عالمَ ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهي المنتصر الذي لم يصله دمارُ الآلة العسكرية التي دكّت أرجاء المعمورة شرقًا وغربًا لمدة ستة أعوام. لذلك خرجت أمريكا من عزلتها لتجني ثمار انتصارها، فروجت لفكرة حق الشعوب في تقرير مصيرها؛ تريد بذلك طردَ الاستعمار الأوروبي من مستعمراته لتحل هي محلَّه. لكن الاستعمار الأوروبي، وبخاصة البريطاني، كان قد أعد لهذه اللحظة العدة؛ فبدأ في تسليم الحكم للأوساط السياسية والأحزاب التي صنعها لهذا اليوم، ومعها كاملُ مؤسسات الدولة التي يقوم عليها عملاءُ له. وبذلك ظلت المستعمرات البريطانية عصيةً على النفوذ الأمريكي، ما جعل أمريكا تلجأ إلى فكرة الانقلابات العسكرية من أجل إزاحة النفوذ الإنجليزي؛ فاستدعت هذه الفكرة من حديقتها الخلفية، أمريكا الجنوبية، فأدخلت نفوذها عبر ما يسمى بانقلابات الضباط الأحرار إلى مصر في العام 1952م، ثم أدخلت نفوذها إلى السودان بانقلاب جعفر النميري في 25 أيار/مايو 1969م. ومنذ ذلك الوقت أصبح السودان ساحةً للصراع الدولي؛ حيث عمد النميري إلى القضاء على النفوذ الإنجليزي، ونقل الوصاية على كيان الدولة الوطنية السودانية من بريطانيا لتصبح أمريكا هي الوصي على هذا الكيان. وبذلك تحول السودان إلى ساحةٍ للصراع الدولي بين المستعمِرين البريطاني والأمريكي، وما زال.
لقد سار النميري في تصفية النفوذ الإنجليزي، فوجه ضرباتٍ ساحقة إلى الأوساط السياسية المرتبطة بالإنجليز، وأخرجها من معادلة حكم البلاد، ولاحق قوتهم التي حاولت أن تتبلور في قوةٍ مادية في الجزيرة أبا، وضرب تلك القوة مستعينًا بالطيران المصري. ومضى في إفشال محاولات رجال الإنجليز للعودة إلى حكم السودان؛ فأفشل محاولةَ قوات الجبهة الوطنية التي دربت في ليبيا وغزت العاصمة الخرطوم في 2 تموز/يوليو 1976م، وغيرها. ومضت أمريكا ترسخ نفوذها في السودان؛ حيث نصبت الحكومةَ المصرية ومؤسساتها وكيلًا لأمريكا في السودان.
ورث الأمريكيون خطةَ الإنجليز لتمزيق السودان، بل خطتهم لتمزيق جميع بلاد المسلمين؛ فشككوا في جدوى اتفاقية سايكس–بيكو، وطرحوا فكرة «حدود الدم» بدلًا من حدود سايكس–بيكو. ففي العام 2006م نشر الجنرال الأمريكي المتقاعد رالف بيترز مقالةً مصحوبةً بخريطة جديدة للشرق الأوسط، في عدد المجلة العسكرية الشهرية للجيش الأمريكي «أرمَد فورسز جورنال«(ArmedForcesJournal)، حيث عنون مقالته بـ«حدود الدم». قال فيها: (إن الولايات المتحدة الأمريكية أضاعت فرصةً ثمينة لأنها لم تقدم على تقسيم العراق إلى دول بعد سقوط النظام السابق؛ حيث كان من الممكن مثلًا إعلان قيام الدولة الكردية، وجميع الأكراد يطالبون بذلك، وتجميع الأكراد من إيران وسوريا وتركيا في هذه الدولة).
ويوضح الجنرال الأمريكي رؤيته بأن الدول الأوروبية التي استعمرت المنطقة قسمتها «على أساسٍ جغرافي بحيث لم تكن الحدودُ التي وضعتها مستقرةً على مر الزمن»، وأضاف أن هذه الخريطة «تصحح الوضع القائم من خلال تقسيم الشرق الأوسط على أساس ديموغرافي، من حيث الحقائق القومية والمذهبية والطائفية»، زاعمًا أن «الحل المناسب لوقف إراقة الدم في المنطقة هو ألا تبقى الطوائف المختلفة والمتباينة مع بعضها، وتعيش كل طائفة في كيانٍ سياسي خاص بها«.
وهذه المقالة ترجمةٌ لفكر اليميني المتطرف برنارد لويس؛ «سياف الشرق الأوسط»، الذي يقول: «إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى مكونات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال لديهم»، ويستطرد أن خطة التقسيم هذه تقوم على إذكاء الصراعات العرقية والطائفية، ومن ثم فرض التقسيم والانفصال بالقوة؛ حيث إن زعزعة الاستقرار في دولةٍ ستهيئ لزعزعة الاستقرار في جوارها بشكلٍ دراماتيكي.
وعقب فصل جنوب السودان في العام 2011م، صرّح البشير بتاريخ كانون الثاني/يناير 2012م قائلًا: (إن أمريكا كانت وراء تقسيم السودان لتحقيق مصالحها في النفط وإضعاف البلاد). وبهذا تكون أمريكا هي من أجهزت على وحدة السودان بفصل جنوبه.
وفي نيسان/أبريل 2019م كانت حكومة البشير قد فقدت دورها واستنفدت أغراضها للأمريكيين؛ إذ إنها فصلت جنوب السودان، وأشعلت الحريق في دارفور، وباتفاقية الدوحة في 2011م أعطت دارفور حكمًا ذاتيًا موسعًا في اتجاه سلخها، وتبنت النظام الفيدرالي وجعلته من المكاسب الراسخة، مهددةً بذلك وحدة الدولة. لذلك أسقطت أمريكا حكومةَ البشير، وكانت تظن أنها تستطيع أن تعيد إنتاج السيناريو المتكرر الذي يفضي إلى تغيير شخص الحاكم المغضوب عليه مع بقاء النظام في بنيته وولائه. غير أن رجال الإنجليز في السودان كانوا قد خرجوا من تحت الرماد، وأعدوا للسيناريو الأمريكي عُدته؛ حيث حشدوا الملايين على أسوار القيادة، ومضوا في اتجاه كسر عظم النفوذ الأمريكي بالأعمال السياسية.
غير أن رجال أمريكا انحنوا للعاصفة وقبلوا بالوثيقة الدستورية على مضض، ثم لم يلبثوا أن انقلبوا عليها في 25/10/2021م. ولكن رجال أمريكا عجزوا عن تسيير البلاد، وبدأ حبل الإنجليز؛ «الاتفاق الإطاري»، يلتف مجددًا حول رقبة النفوذ الأمريكي في السودان، ما حدا بأمريكا إلى إطلاق هذه الحرب في السودان لتشيطن عملاء الإنجليز وتخرجهم من معادلة حكم البلاد، ولتنفيذ سياسة «حدود الدم»؛ فتسلخ دارفور، وتجهز على وحدة بقية أقاليم السودان.
ولأجل ذلك فهي تمضي قدمًا في تركيز السيناريو الليبي في السودان، لتكرس سلخ دارفور إنفاذًا لخطة معهد السلام الأمريكي، الذي عقد ورشةً في نيروبي في نيسان/أبريل 2024م، بمشاركة القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب، وخلص المعهد في الورشة إلى أن وجود حكومتين في السودان يؤدي إلى خفض حدة القتال، ويفتح المسارات إلى طاولة المفاوضات! (الشرق الأوسط بتاريخ 2025/08/04م). لذلك دفعت طرفي الحرب لإخراج هذه التوصية إلى أرض الواقع.
فيا أهلَ السودان:إن أمريكا التي فصلت جنوب السودان تعود الآن لسلخ دارفور وتمزيق ما تبقى من بلدكم. فإن تعاملتم مع هذه القضية بالنهج نفسه الذي تعاملتم به مع قضية جنوب السودان، فإن مخططها لتمزيق السودان إلى خمس دول—ترسم حدودها بدمائكم ودماء أبنائكم—كائنٌ لا محالة، وذلك هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة.
ختامًا:
إنه لمن المؤسف حقًّا أن تكون بلادُنا ساحةً للصراع الدولي على النفوذ بين أمريكا وبريطانيا؛ يتاجرون بدماء أهلنا وأعراضهم، وهم العدوُّ ملةً واحدةً، لا يريدون الخير للمسلمين في أي مكان وأي زمان. قال الله سبحانه وتعالى:(يَٰٓ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨).
إن الكفار المستعمرين لا يضيرهم قتلُ المسلمين، ولا يضيرهم انتهاكُ أعراضهم. ولقد وصلنا إلى هذا الحال بعد أن هُدمت الخلافة، وغاضت الحياة على أساس الإسلام. ولن تقوم لنا قائمةٌ إلا بجعل الخلافة هدفًا دونه المُهَجُ والأرواح؛ نصل الليل بالنهار، ونستنفر لأجله كلَّ جهود أهل القوة والمنعة بأقصى طاقةٍ وأقصى سرعة.
1447-09-25