اجتثاث النظام عند التغيير
24 ساعة مضت
المقالات
103 زيارة
الأستاذ عصام الشيخ غانم
غض النظر عن المصطلحات الوردية فإن الحكم أو السلطان أو الدولة يقتضي بالدرجة الأساس امتلاك القوة الغالبة والقاهرة التي لا منافس لها لتنفيذ ما يريده السلطان، والحكم في أي أمةٍ يكون راسخاً عندما تكون الأمة حارسه الحقيقي، ويتناسب نقصان درجة رسوخ الحكم بقدر الزيادة في انحرافه عن أفكار الأمة وغاياتها، وفي بلادنا بعد 1924 فإن السلطان والكتاب قد افترقا تماماً، أي إن الكتاب في واد والسلطان في وادٍ آخر، بل إنه معاكس تماماً ومعادٍ للكتاب، وهذا ما تحاول أنظمة الحكم إخفاءه، ولكن يصعب إخفاء الحقيقة التي تظهر في الكثير من مواسم الأحداث.
والحكم أو السلطان مهما كان نوعه فإنه يتمثل في نهاية المطاف بمجموعة من الناس الذين اجتمعوا على توجهٍ محددٍ، وميول سياسية محددة، وطريقة انتظم بها حشدهم حتى صاروا سلطاناً، أي قادةً وزعماء وذوي وزن وثقل، ولما صاروا كذلك فإن سلطانهم قد صار هو الطريقة التي ينتظم بها جمعهم وحشدهم وأخذ يزيد من تفرعاته لتعميق سيطرته على الأمة محاولاً جعلها سيطرة مطلقة، أي لا ينافسه في زعامتها وقيادتها أحد ولا ينغص على حكمه أحد، على أمل أن يقود الأمة في الاتجاه الذي خطه لنفسه واجتمع حشده عليه وأصبح جزءًا من تكوينه لا ينفك عنه.
وإذا قلنا إن المجتمع هو الناس وعلاقاتهم فإن السلطان الذي يقف على رأس هذه العلاقات يريد أن يوجِد الأفكار للناس فيصدقوها فتصبح الأمة أمة السلطان في الاعتقاد، ويريد أن يستحدث مشاعر ويزرعها في قلوب الأمة، مثل مشاعر الوطن والوطنية والقوم والقومية، لتميل حيث يميل السلطان طمعاً باستمرار هذا الحكم وأن تصير الأمة بنفسها تحرس هذا السلطان، بمعنى أن نظام الحكم وبقدر مستواه الفكري يحاول ما استطاع أن يجعل الأمة تعتقد ما يعتقد وتميل حيث يميل. وبما أن السلطان في بلادنا يفرض توجهاً علمانياً غربياً على الأمة فإن هذا التوجه العلماني المغلف بغلاف وطني أو قومي أو اشتراكي أو أي غلاف آخر يتعارض مع فكر الأمة وميولها، وبقدر وعي الأمة ووجود الحركات الواعية العاملة للتغيير تطفو على السطح درجة التناقض بين الأمة والسلطان، وفي حالة الأمة الإسلامية اليوم فإن الأمة ليست حارساً أبداً لهذا السلطان، بل تتربص له وتنتظر به يوماً أسود، وقد هبت شعوبها للتغيير خلال «الربيع العربي» وواجهها السلطان بالقوة الغاشمة المدعومة من أسياده، فزاد بُعد الأمة عن السلطان الذي وجد نفسه غريباً لا يمثل أحداً إلا باللف والدوران والخداع والتزوير والبلطجة.
وإذ ندرك تفاصيل الاختلاف بين كل نظام ونظام في بلداننا والكيفية التي تَشكَّل بها نظام الحكم وظروف تشكيله المحلية والخيوط الدولية لهذا التشكل فإننا نكتفي هنا بإجمال وصف واحد لأنظمة الحكم تاركين التفاصيل لوقتها، ونقول: إن رجال هذا السلطان أو الحكم هم حشد من رجال الدولة الذين لا ينامون الليل من أجل الحفاظ على حكمهم، لِما لهم فيه من مصالح شتى، مثل متعة الزعامة والقيادة وإجبار كتلة كبيرة من الناس على اتباع توجهاتهم، ومثل متعة النجاح والتفوق في تنفيذ مهمة النطر والحراسة التي ائتمنهم الغرب عليها، مثل حرب الإسلام ومنعه من الحكم والحفاظ على نفوذ الغرب، ولا ننسى الجائزة الكبرى أو الأجرة التي يريد هؤلاء النواطير الاحتفاظ بها؛ وهي الغرق في الفساد المالي والسلطوي والتنعم بملذات هذه الحياة الفانية، وعندما يحصل التغيير المنشود فإن فئةً قويةً ممن يظن هذا السلطان أنها معه تكون قد انقلبت عليه فغيرت الأوضاع في لحظة، وعندما تنجح هذه الفئة في الأيام الأولى في تثبيت وضعٍ جديدٍ وتنجح في منع السلطان من تجميع قوى أخرى لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أيام فإن السلطان يكون قد انهزم، وأخذ الإسلام يترسخ سلطانا جديدا، وتتمثل المهمة العاجلة للسلطان الجديد بالتخلص من السلطان القديم على الفور. ويخطئ من يظن بأن شل قدرات السلطان القديم عن الحركة هي مسألة آلية وتحصيل حاصل، بل هي مهمة معقدة للغاية، وإن لم يُقَم بها بالشكل الصحيح فإن تجميع بقايا السلطان المخلوع، أي الفلول، يظل ممكناً، وعليه لا بد من اتخاذ إجراءات فورية وعاجلة يكون أدناها وضع أزلام السلطان، أو النظام المخلوع، تحت رقابة صارمة كفيلة بإحباط أي حركة والقضاء عليها في مهدها، ولكن مَن أزلام النظام البائد الذين يجب اتخاذ مختلف الاجراءات للسيطرة التامة عليهم؟ وما فئاتهم؟
تقترح هذه المقالة تقسيم ما نراه من رجالات النظام إلى قسمين: الأول رجال النظام، والثاني أعوانهم. وتقترح فهم النظام السياسي على هيئة شجرة لها ساق غليظة وفروع مختلفة، بعضها قوي وبعضها الآخر ضعيف، وكذلك لها أغصان وجذور، وبناء على ذلك نبين أوصاف كل قسم وفئة من شجرة النظام ونبين درجة خطورتها، وكذلك العمل الواجب اتخاذه ضدها ونبين إطاره الزمني.
فأما الساق، فهم رجال النظام الذين يشكلون نواته الصلبة، وهؤلاء لا يستطيعون العيش إلا به، وإذا ما انهدم النظام رأيتهم يجتمعون ويتشاورون من أجل إيجاد سبل لإعادته، بمعنى أن هؤلاء الرجال يمثلون العصبة الأكثر صلابة في الوسط السياسي للنظام، وهذه السلسلة من الرجال ومنذ حلقتها الأولى التي هلكت وورثتها الحلقة التالية ثابتة على علمانيتها وعدائها للإسلام تتوارث ذلك في الظلام جيلاً عن جيل، سواء اتصل بها الغرب أم لم يتصل، بمعنى أن هذه الفئة قادرة على العمل والمبادرة إلى تنظيم الصفوف بشكل ذاتي، فهذه المجموعة من الرجال الأقوياء هم النظام بنفسه، وهم موطئ قدم الغرب للنفوذ والتوسع فيه في بلادنا، وهؤلاء تختلف أعدادهم بحسب كل بلد، والتقدير أنهم بين المائة في البلدان الصغيرة كليبيا واليمن، حتى الألف في البلدان الكبيرة كمصر وباكستان، ويعرف هؤلاء بأنهم السند الأول الذين يستند إليهم باقي رجالات النظام وباقي وسطه السياسي، وهم المرجعية لكل فروع النظام، وهم من القوة والحنكة والثقل بحيث يتصرفون ذاتياً للدفاع عن النظام حتى بدون اتصال الغرب بهم، وهم يشكلون مركز القوة أو مراكز القوة في كل نظام، وهؤلاء يجب التعامل معهم بقسوة في الساعات الأولى للتغيير وأن تنتهي عملية التعامل مع غالبيتهم القصوى في الأيام الثلاثة الأولى للتغيير.
وأما فروع شجرة النظام، فهم أولئك الأشخاص الذي وضعهم رجال القسم الأول في مناصب للحفاظ على النظام، كقيادات أجهزة الأمن والوزراء والولاة أو المحافظين وما يشبه ذلك، والأصل في هؤلاء أن تنتهي وظائفهم وتنهار بانهيار النظام، بمعنى أنهم موظفون، ولكن لطول عملهم مع رجالات النظام وارتباط حياتهم ومصالحهم بالنظام فإن التصاقهم به جعلهم جزءًا أصيلاً منه، وهؤلاء يمكنهم أن يتحركوا ضد النظام الجديد بإشارة من أيٍّ من رجال النظام، أي رجالات القسم الأول «الساق»، على أمل إعادة الأوضاع إلى سابق عهدها، وهؤلاء وإن كانوا لا يعملون ذاتياً بل بالإشارة من رجالات النظام الأقوياء، ولا يجرؤ رجال هذه الفئة على تخطيط عمل مناهض بمحض أنفسهم، بل هم تبع لأولئك، فإنّ هذا لا يقلل من خطرهم.
وإذا كان رجال هذه الفئة هم من يقدمهم رجال النظام للغرب ليعلمهم العلمانية وينظّمهم لنشرها والحفاظ عليها عبر وزاراتهم ودوائرهم فإن أشهر ما يمكن به معرفة الفرع القوي من رجال هذه الفئة من حيث ارتباطه بالنظام من الفرع الضعيف هو اتصال الغرب بهم، لكن وجب أن يكون دعاة التغيير واعين على كل المراكز التي يتصل بها الغرب في الحكومات القائمة، فهو يتصل حتماً بقيادات الجيش والأجهزة الأمنية، وليس الكلام مقصوراً على دوائر العاصمة، بل يتخطاها إلى المحافظات أو الولايات، ويتصل بوزارات غير أساسية مثل التربية والتعليم لنشر فكره العلماني ووضعه حاجزاً أمام الإسلام، بمعنى أن الفروع الضعيفة التي يمكن إهمالها هي تلك التي لا يتصل بها الغرب، وهذا يكون بحسب كل بلد بعينه، مثل وزارة الأوقاف والزراعة والنقل والمواصلات وغيرها، وأما إذا كانت اتصالات الغرب بمثل هذه الفروع الضعيفة من باب الدعم الفني والمهني، فهذا أيضاً يمكن إهماله بسبب توسع نفوذ الغرب في بلادنا، أي وجب التمييز بين الغث الذي ظل موظفاً والسمين الذي جعله التصاقه بالنظام جزءًا منه.
وهؤلاء الرجال الذي يمثلون الفروع القوية للنظام، هم القيادات المركزية في العاصمة وحواشيهم، وكذلك قيادات المحافظات والمناطق وحواشيهم أيضاً، وهؤلاء يجب التعامل معهم فوراً أيضاً بدءًا برؤوسهم في الأسبوع الأول للتغيير، ثم من يليهم على أن لا يبدأ الشهر الثاني بعد التغيير إلا وقد تمت السيطرة عليهم سيطرةً قصوى، وهؤلاء قد لا يقلّون عن عشرة آلاف رجل في بلد مثل مصر أو السعودية أو العراق.
وأما أغصان شجرة النظام، وهم كثر كثر، كصغار الضباط والموظفين الأمنيين وباقي موظفي النظام البائد، وهؤلاء ليسوا ذوي أهمية، ويمكن ترك التعامل معهم لحين بروز أي خطر من أي منهم، وهؤلاء في العادة موظفون، بمعنى أنه لو دفعت لهم أي مؤسسة راتباً أعلى من راتبهم الحكومي السابق أو وفرت لهم ظروف عمل أفضل فإنهم يخرجون من جزئية النظام على الرغم من أن الأمة تراهم على رأس حربة النظام لمقاومة تحركاتها كصغار رجال الأمن والمدافعين عن النظام بحكم الوظيفة، وهؤلاء إجمالاً ليسوا خطرين ولا يمثلون السلطان، بل هم أعوان السلطان، وهؤلاء يجب مراقبتهم مراقبة حثيثة وطويلة المدى لمنع تجنيدهم من جديد. ويبقى هؤلاء الأعوان وكراً للتجسس على الأمة وسلطانها الجديد وأرخص بضاعة يمكن للغرب أن يشتريها في بلاد الإسلام، وبعضهم سيتغير مع ظهور عزة الأمة، وبعضهم الآخر سيبقى يحن للعيش في المزابل بعد أن ألف رائحتها واستساغها لسنوات.
بقي جزء واحد من أزلام السلطان والذي وصفناه بالجذور، وخطورة هذا الجزء أنه ينتشر في الأمة بشكل أفقي، أي يتواجد في كافة مدنها وأريافها، وقد لا يكون بعضهم موظفاً البتة في الدولة، بل له أعمال أخرى، ولكنه يدافع عن السلطان دفاعاً مستميتاً يعبّر عن قناعته به. وأما كيفية معرفتهم فتقترح هذه المقالة أنهم من يتطوع للدفاع عن النظام ويهب لنجدته بشكل طوعي، حتى لو لم يكلفه أحد ذلك، وذلك ليس لكونه متضرراً من انهيار السلطان فانهارت وظيفته ورزقه، بل لأن النظام يعبر عن قناعاته وتوجهاته، ويعرف الناس هذه الجذور وينظرون إلى أزلامها باعتبارهم آخر ممثلي النظام في المجتمع، بمعنى البُعد من مركز الثقل للنظام، والتقدير بأن هذه الفئة تمثل اثنين من ألف من الأمة، يزيدون قليلاً أو ينقصون بحسب الموقع، وهؤلاء خطرون ومعادون للإسلام ولحكمه، لأن شخصياتهم بنيت على هيئة علمانية أو وطنية فتأصلت فيهم وتمكنت من نفوسهم، وإن صلوا وإن صاموا، ويرون الإسلام ديناً لا يحق له التدخّل في السياسة، وتعرفهم بما يظهرونه من شدة عداء للتيارات الإسلامية المختلفة، ويعتمد رجال النظام عليهم في التغلغل في الأمة، حتى لو لم يكن هؤلاء موظفين في الدولة أو حتى مستفيدين منها، أو حتى لو كانوا في موقع المعارضة للدولة، فكل نظام تتبعه معارضة من صنفه وجنسه، وهؤلاء إن هبت رياح معاكسة ستجدهم في مقدمة المتطوعين لإسقاط الإسلام من الحكم، لذلك وجب التعامل معهم، ووجب حصرهم في فترة لا تتعدى الشهور الثلاثة الأولى من بدء التغيير، ووضعهم تحت الرقابة الصارمة لوأد أي تحرك في مهده، فهذا أقل أنواع التعامل مع أفراد هذه الفئة، ولا يمكن لتطبيق الإسلام أن ينجح ويتغلغل في المجتمع إذا ظل لأفراد هذه الفئة وجاهة أو سطوة في المجتمع، لذلك وجب منعهم بتاتاً من ممارسة أي أعمال عامة لمدة يترسخ فيها الإسلام ويظهر فيها رجالاته، حتى في أصغر الأرياف البعيدة.
هذا ما تقترح هذه المقالة المبادرة إليه من أجل النجاح في اجتثاث سرطان السلطان التابع للغرب، أي زعاماته وقياداته ورجاله ذوي الثقل والوزن في الدولة والمجتمع، واجتثاث سرطان العلمانية فور بدء عملية التغيير، وألا تبقى هذه الفئات السود ناراً تحت الرماد يمكن أن تشتعل من جديد في وجه سلطان الإسلام الجديد.
والذي يجب أن يكون معلوماً وراسخاً أن رجال السلطان بفئاتهم الثلاث المذكورة هم الصخرة الجبرية التي تمنع دين الله من الظهور، وهم رواد الغرب في بلادنا، وهم مَن قبلوا أن يكونوا رأس الحربة التي تسهر حتى لا تكون كلمة «لا إله إلا الله» هي العليا. ولكي تبقى كلمة الله هي العليا فإن التعامل مع رأس الحربة يجب أن يكون فورياً مع ساقها، وسريعاً مع فروعها القوية، وغير متأخر في خلع جذورها، ومن السذاجة الاستدلال بفكرة «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، لأن السلطان الجبري القائم على قمع الأمة وفرض الكفر عليها والسهر لمنع الإسلام من الظهور لا يحقق مناط الاستدلال، فرجال السلطان هؤلاء بفئاتهم المذكورة ليسوا جزءًا من الأمة، وهم أعداء الإسلام، وهم من يقاتل مع الكفار في الخندق الأول ضد الإسلام، لذلك لا يجوز بحال أن يعاملوا بالحسنى وقد رأيتم حُسنى السيسي مع محمد مرسي في مصر، ورأيتم ورأيتم…، بل يجب أن تفرض عليهم أحكام خاصة صارمة، وأما كيف يكون هذا التعامل معهم فإن ما سترويه نشرات الأخبار عن أحداث حصلت أفضل مما ترويه الكلمات،
(يَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ).
1447-09-25